Pazar, Eylül 14, 2008

في الجهاد آداب وأحكام _ بقلم الدكتور عبد الله عزام

في الجهاد آداب وأحكام _ بقلم الدكتور عبد الله عزام

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللهلله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وبعد:

فهذه بعض شذرات من أحكام الجهاد كتبتها بعد أن كاد يصبح نسيا منسيا ، وأصبحت آيات الجهاد في سبيل الله عند الكثيرين من الناس تؤول بأنها الدعوة والكتابة عن الإسلام، وأصبح القتال ظاهرة مستغربة في حياة المسلمين، ونرجو الله عز وجل أن يتقبل محاولتنا لإعادة الجهاد إلى مكانه الطبيعي في أذهان المسلمين على الأقل وفي طريقة تفكيرهم، وإن كان الواقع العملي للمسلمين بعيدا بعدا شاسعا عن الجهاد الفعلي، وعن الحكم الشرعي الواقعي.

وفي هذه العجالة:

حاولنا أن نكتب بعض أحكام الجهاد وآدابه لعلنا نستفيد ونفيد، ونرجو الله أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ونضرع إليه سبحانه أن يرزقنا حياة السعداء وخاتمة الشهداء، والحشر في زمرة المصطفى ص إنه سميع قريب مجيب.

الفقير إلى الله تعالى

الدكتور عبد الله عزام

الجهاد لغة واصطلاحا :

الجهاد لغة:

مأخوذ من جهد -يجهد-جهدا ، فالمصدر الجهد بالضم أو الفتح، وهو الوسع أو الطاقة، وقيل: الجهد (بالضم) وهو الوسع والطاقة، والجهد (بالفتح) هو المشقة.

ويستعمل الجهد (بالفتح) بمعنى الغاية (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) أي غاية ونهاية قسمهم.

فالجهد والجهاد في اللغة: بذل أقصى ما يستطيعه الإنسان من طاقة لنيل محبوب أو لدفع مكروه، أنظر لسان العرب والقاموس المحيط..

الجهاد شرعا واصطلاحا :

اتفق الفقهاء الأربعة أن الجهاد هو القتال والعون فيه.

وإليك تعريفات الفقهاء الأربعة:

1-الحنفية: جاء في فتح القدير لابن الهمام (5/781):

(الجهاد: دعوة الكفار إلى الدين الحق وقتالهم إن لم يقبلوا)، وقال الكاساني في البدائع (9/9924) بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله عز وجل بالنفس واللسان وغير ذلك.

2- المالكية:

قتال المسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله أو حضوره له أو دخوله أرضه له(1) [حاشية العدوي، الصعيدي (2/2)، والشرح الصغير -على أقرب المسالك-للدردير 2/267].

3-الشافعية:

قال الباجوري: (الجهاد أي: القتال في سبيل الله) الباجوري -ابن القاسم-(2/162)، وقال ابن حجر-الفتح (6/2) (وشرعا بذل الجهد في قتال الكفار).

4- الحنبلية:

(قتال الكفار)، أنظر مطالب أولي النهى (2/794) (الجهاد: القتال وبذل الوسع منه لإعلاء كلمة الله تعالى)(2) [أنظر عمدة الفقه ص 166، ومنتهي الإرادات 1/302].

وخلاصة القول:

إن كلمة الجهاد إذا أطلقت فإنها تعني القتال: وكلمة (في سبيل الله) إذا أطلقت تعني الجهاد.

يقول ابن رشد في مقدماته (1/963): (وجهاد السيف: قتال المشركين على الدين، فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

ويقول ابن حجر في فتح الباري (6/92): (والمتبادر من لفظ سبيل الله الجهاد).

آداب القتال وأحكامه

لقد شرع القتال في الإسلام لنشر الدعوة الإسلامية، وإنقاذ البشرية من الكفر، ونقلهم من ظلمة الدنيا إلى نور الدنيا والآخرة.

ولذا فإن القتال في هذا الدين الحنيف لإزالة العقبات السياسية والإقتصادية والإجتماعية أمام الدعوة الإسلامية، بل تستطيع أن تقول أن وظيفة الجهاد (القتال): هو تحطيم الحواجز التي تقف دون نشر هذا الدين في ربوع العالمين، فإن قبل الناس هذا الدين فلا حاجة لإشهار سيف، ولا إراقة دماء، ولا إتلاف منشآت وأموال، لأن هذا الدين جاء للإصلاح والإعمار لا للإتلاف والدمار.

والقتل والقتال ضرورة مفروضة على المسلمين لأنهم يحملون راية التوحيد، وهم مأمورون بنشرها فوق كل رابية وسهل. والضروة تقدر بقدرها.

فإذا لم نستطع تبليغ الدعوة إلا بقتال الأنظمة السياسية والسلطات القائمة قاتلناهم لأنهم يحولون بيننا وبين تبليغ الناس.

فإذا وقف أمامنا القوة السياسية وأصحاب الأموال وتجمعات القبائل اضطررنا لمواجهتهم بالسلاح حتى يستسلموا لهذا الدين ويفتحوا الطريق بيننا وبين الشعوب التي أمرنا بإنقاذها.

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير

وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير) (الأنفال: 93)

فالقتال لإزالة الفتنة، وتحطيم الطغمة التي تعبد الناس لأنفسهم من دون الله، فإن استسلمت هذه الطغمة وألقت السلم فلا حاجة لإشهار السلاح ولا ضرورة لقتل الناس.

ولذا فإن الإسلام يحرص أولا على إنقاذ الناس -حتى الطواغيت-من النار: من نار الجاهلية في الدنيا ومن حجيم الآخرة، ولذا قال ص لعلي حينما سلم الراية يوم خيبر: فو الله لئن يهتدي بك رجل واحد خير لك من حمر النعم متفق عليه.

ومن هنا فالقتال في الإسلام ضرورة لإنقاذ الشعوب المستضعفة والقطعان المستعبدة للآلهة البشرية، فلا بد من إنزال هذ الآلهة البشرية إلى مقام العبودية وإنقاذ العبيد وتحريرهم، فإن أبت هذه الأرباب الآدمية أن تزول من عليائها فلا بد من تحطيم كبريائها وإعادتها إلي حجمها الطبيعي وإلى حدها الحقيقي الذي تخطته ظلما وعدوانا على بحور الدماء وجماجم الأبرياء وأشلاء الشهداء.

ومن هنا فإن الإسلام يعلن مبادئ كبرى، ويخط خطوطا واضحة تعتبر قواعد عامة في الجهاد، وأهمها: أن القتال لنشر الدعوة الإسلامية، فمن لم يقف في طريقها فلا يجوز قتاله، ولذا:

1- لا بد من عرض الدعوة على الناس قبل قتالهم، ولا يجوز قتالهم قبل تبليغهم الدعوة.

2-لا يجوز قتل الذين لا يقاتلون ؛ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة« وقاتل (فاعل): صيغة مشاركة، أي: يجب أن يكون الذي يقاتله المسلمون مقاتلا ، ولا يجوز قتال الذين ليس لهم شوكة ولا بأس ولا تخشى منهم الفتنة كالأطفال، والنساء، والمقعدين، والذميين، والرهبان، والمنعزلين عن الناس.

3- لا يجوز إتلاف الأموال ولا قطع الشجر ولا حرق البيوت إلا بقدر الضرورة لإزالة الحواجز أمام الدعوة.

4-لا يجوز بعد القتال تمثيل (مثلة) ولا تشويه للموتى.

5-لا يجوز بعد الاستسلام والذمة والعهد قتال ولا غدر ما وفوا بذمتهم وعهدهم.

(إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين)

(التوبة:061)

لكل غادر لواء يوم القيامة حديث صحيح.

والآن نشرع في تفصيل هذه المبادئ العامة:

عرض الدعوة

اختلف العلماء في إنذار الناس قبل قتالهم على ثلاث مذاهب:

أولا : المذهب الأول.

يجب إنذارهم سواء بلغتهم الدعوة من قبل أو لم تبلغهم( وإلى هذا ذهب الإمام مالك).

ثانيا : لا يجب مطلقا سواء بلغتهم أو لم تبلغهم ولكن تستحب.

أولا : دليل الإمام مالك بوجوب الإنذار لمن بلغته أو لم تبلغه هو حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ما قاتل رسول الله ص قوما قط إلا دعاهم (1) [رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، وحديث سليمان بن بريدة -نيل الأوطاى 7/230-].

قال الحطاب: قال مالك: ( لا يقاتل المشركون حتى يدعوا)(2) [مواهب الجليل للحطاب 3/350].

ويبدو أن الإمام أبا يوسف مع هذا الرأي، قال أبو يوسف في الخراج (702): (لم يقاتل رسول الله ص قوما قط فيما بلغنا حتى يدعوهم إلى الله ورسوله).

حديث سليمان بن بريدة -نيل الأوطار (7/032)-: عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ص إذا أمر أميرا على جيش أو سرية توصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تظلموا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدة، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا عنها فخبرهم أنهم يكونون كعرب المسلمين تجري عليهم الذي تجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن تجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم (1) [رواه مسلم وأحمد وصححه الترمذي].

ثالثا : مذهب الجمهور.

يجب إنذارهم إذا لم تبلغهم ولا يجب إذا بلغتهم.

قال الشافعي: قال الرملي في نهاية المحتاج (8/46): (ومن علمنا عدم بلوغه الدعوة لا نقاتله حتى يعرض عليه الإسلام حتما -وإن ادعى بعضهم استجابة-وإلا أثم وضمن كما مر في الديات، أما من بلغته فله قتله).

قال الحنفية: قال السرخسي شرح السير (1/77): فإن بلغتهم الدعوة فإن شاء المسلمون دعوهم دعاء مستقلا على سبيل الإعذار والإنذار، وإن شاؤوا قاتلوهم بغير دعوة لعلمهم بما يطلب منهم، وربما يكون في تقديم الدعاء ضرر بالمسلمين فلا بأس أن يقاتلوا بغير دعوة)، وأفضل دليل يشهد للمذهب الثاني هو الحديث الذي في الصحيحين عن ابن عوف قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي : إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله ص على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب بعدئذ جويرية بنت الحارث، حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش (2) [متفق عليه -نيل الاوطار 7/232-].

إذن مدار الخلاف هو التعارض بين حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ما قاتل رسول الله ص قوما قط إلا دعاهم (3) [حديث صحيح رواه أحمد وحديث نافع السالف الذكر]. فقد أخذ مالك بحديث ابن عباس رضى الله عنهما لأنه قول، والقول مقدم على الفعل.

وأخذ الفريق الثاني: (الذين يرون عدم وجوب الإنذار سواء وصلت الدعوة أم لا) بحديث نافع، واعتبار فعله ص بغزوة بني المصطلق ناسخا لحديث ابن عباس.

وأما الجمهور: فقد أخذوا بالجمع بين الحديثين، وفي كلام نافع ما يشير إلى الجمع، إنما كان ذلك في أول الإسلام أي: عندما لم تكن الدعوة قد بلغت الناس فعندما بلغت الدعوة الناس لم تبق حاجة للإنذار قبل القتال.

والجمع بين الحديثين أولى: لأن الجمع مقدم على النسخ والترجيح، وكذلك حديث ابن عباس عام، وحديث نافع خاص، والخاص مقدم على العام.

ومن هذا الحديث فهم الإمام أحمد رأيه، قال أحمد في المغني (8/163): (إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، ولكن إن جاز أن يكون قوم خلف الروم والترك على هذه الصفة أي: عدم بلوغهم الدعوة لم يجز قتالهم قبل الدعوة، كذلك كان رسول الله ص يدعو إلى الإسلام، ولا أعرف اليوم أحدا ي دعى، فقد بلغت الدعوة كل أحد).

ورأي الجمهور الراجح الذي تدعمه الأدلة النقلية والعقلية.

روى البخاري عن البراء بن عازب: بعث رسول الله ص رهطا من الأنصار إلى أبي رافع، فدخل عبد الله بن عتيك بيته فقتله وهو نائم رواه البخاري، والشاهد: أن عبد الله بن عتيك قتل أبا رافع (عبد الله بن أبي الحقيق) وهو نائم دون إنذار.

قتل النساء والولدان والشيوخ

قد بينا من قبل أن الإسلام لا يقتل إلا المقاتلة، أو الذين يمدون المشركين وأعداء الإسلام بمال أو برأي، لأن الآية: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم....) (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله...).

والمقاتلة: مفاعلة في المشاركة من الجانبين، فمن قتل أو اشترك بوسيلة ما في القتال فإنه يقتل ويقاتل، وإلا فلا حاجة إلى قتله.

ولذا فلا حاجة لقتل النساء لضعفهن إلا إذا قاتلن، ولا لقتل الأطفال، ولا الرهبان عن قصد، إلا إذا اختلطوا بالمشركين، ولم نستطع أن نضرب المشركين المقاتلين منفردين، فهنا نضرب المشركين ولا نقصد الضعفة.

إن التنكيل بالذرية والضعفة يورث الأحقاد لأجيال كثيرة، ويسطره التاريخ بمداد الدموع والدماء لتتناقله الأجيال جيلا بعد جيل، وهذا الذي لا يريده الإسلام.

إن الإسلام يريد أن يحبب الناس به، ويريد أن يحبب الله ورسوله ودينه إلى الناس، ولكن الإسلام في نفس الوقت لا يربت على شهوات الناس، ولا يغير منهاجه إرضاء لأهوائهم:

(ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (المؤمنون: 171)

وقد اختلفت آراء العلماء في هذه القضية على مذاهب:

المذهب الأول: لا يجوز قتل النساء والولدان بأي حال: (وهو مذهب مالك والأوزاعي) حتى لو تترس الكفار بأطفالهم ونسائهم لا يجوز رميهم، ولو تحصنوا في حصن ومعهم ذريتهم لا يجوز رميهم بالمنجنيق وغيره.

المذهب الثاني: لا يقصد الضعفة بالقتل إلا إذا قاتلوا أو اختلطوا بالمقاتلين بحيث لا نستطيع مقاتلة بدون قتلهم، وهذا رأي الشافعية والحنفية.

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية (14): (ولا يجوز قتل النساء والولدان في حرب ولا في غيرها مالم يقاتلوا، لنهي النبي ص عن قتلهم).

قال السرخسي في المبسوط (01/13): ولا يمتنع تحريق حصونهم بكون النساء والولدان فيها، وكذلك لا يمنع تحريق حصونهم بكون الأسير المسلم فيها، ولكن يقصدون المشركين.

ويجوز قتل الشيخ الكبير إن كان ذا رأي، كما أقر رسول الله ص أبا عامر الأشعري على قتل (دريد بن الصمة) وقد تجاوز المائة -والحديث في الصحيحين.

ولا يقتل الأعمى ولا المقعد ولا المعتوه من الأسارى لأنه إنما يقتل من يقاتل (والمقاتلة من الجانبين)، ولا بأس بإرسال الماء إلى مدينة أهل الحرب وحرقهم بالنار ورميهم بالمنجنيق، وإن كان فيهم أطفال أو ناس من المسلمين...، ويحل رميهم وإن تترسوا بأطفال المسلمين، وقد بين رسول الله ص العلة في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود، وإن كان فيه مقال بسبب المرقع بن صفي أن رسول الله ص مر على امرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه لتقاتل إذن العلة في القتل والمقاتلة، فمن كان من أهل القتال قتل وقوتل.

ومدار خلاف الأئمة حول الأحاديث المتعارضة ظاهرا :

فمالك: أخذ بعموم النص، نص ابن عمر رضي الله عنهما -قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي ص فنهى رسول الله ص عن قتل النساء والصبيان) (1)[رواه الجماعة إلا النسائي -نيل الأوطار7/246].

أما الشافعية: فيستدل لهم بأن هذا النص عام وله مخصص من حديث الصعب بن جثامة أن رسول الله ص سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم منهم رواه الجماعة إلا النسائي، زاد أبو داود، وقال الزهري: ثم نهى رسول الله ص عن قتل النساء والولدان.

إن هذا وإن كان يستدل به من تمسك بالنهي عن قتل النساء والولدان مهما كان الأمر ويرى قول الزهري ناسخا ، إلا أنه يشهد للشافعية والحنفية الحديث الذي رواه الترمذي مرسلا (نصب رسول الله ص المنجنيق على أهل الطائف).

والحديث الذي رواه سلمة بن الأكوع: بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق وكان أمره علينا رسول الله ص (1) [رواه أحمد وأبو داود وسكت عليه المنذري].

والبيات: هو الاغارة في الليل، وغزو الطائف وهوازن كان في أواخر حياة النبي ص.

أما منع الجيش المسلم من قتال المشركين إذا اختلطوا بأطفالهم على أية حال فهذا يعني وقف القتال ضدهم، وفي هذا خطر على المسمين وإضرار بمصالح المجتمع المسلم، خاصة الأيام التي أصبح القتال فيها قذائف بعيدة المدى من المدفعية والطائرات والدبابات، وهذا يعني منع استعمال هذه جميعها وإيقافه.

فإذا كان الفقهاء باتفاق أباحوا قتل المسلمين حالة تترس الكفار بهم، فكيف لا يبيحون حرب الكفار إذا كان معهم أطفالهم ونساؤهم?!

هل حرمة دماء نساء المشركين وأطفالهم أشد حرمة من دماء المسلمين?

ثم إن المنع من قتل النساء اليوم إن كانت المرأة لا تشترك في الحرب، ولا تدخل في الجيوش، ولا تعتنق مبادئ كالشيوعية وغيرها تقاتل دونها وتموت في سبيلها... أما الآن فقد تغير الوضع، وأصبحت المرأة لا تفترق -في هذه الناحية-كثيرا عن الرجل.

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (82/735): إن الأمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بمسلمين وخيف على المسلمين إذا لم يقتلوا فإنه يجوز أن يرميهم ونقصد الكفار، ولو لم تخف على المسلمين جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء.

قال ابن العربي في أحكام القرآن (1/401): لا تقتل النساء إلا أن يقاتلن، لنهي النبي ص عن قتلهن، وهذا ما لم يقاتلن، فإن قاتلن قتلن.

وقد فرق الشافعية بين قتل الأطفال والنساء وبين قتل الرهبان والشيوخ والعمي، فقد حرموا قصد قتل النساء والولدان إلا للضرورة، فقال الرملي (8/46): وتحريم قتل صبي ومجنون وامرأة -ولو لم يكن لها كتاب-وخنثى مشكل ومن به رمق، ما لم يقاتلوا أو يسبوا الله أو أحد رسله ص.

أما بالنسبة للراهب والشيخ: فقال الرملي (8/46): ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى ومن لا قتال منهم ولا رأي في الأظهر لعموم قوله تعالى: (..اقتلوا المشركين...)، والثاني لا يحل قتلهم.

قتل الراهب

أما الراهب فمدار القتل وعدمه على الخلطة مع الناس، فإن خالط الناس قتل.. وإن كان معتزلا لعبادته يترك.

وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله ص إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع (2) [رواه أبو داود وفيه إبراهيم بن إسماعيل وهو ضعيف وثقة أحمد].

جاء في المبسوط للسرخسي (01/721) قال أبو يوسف ومحمد ورواية السير الكبير عن أبي حنيفة: لا يقتلون.

قال أبو يوسف: (سألت أبا حنيفة عن أصحاب الصوامع والرهبان فرأى قتلهم حسنا ، وقال: هؤلاء أئمة الكفر والجمع بين روايتي أبي حنفية... الخلطة مع الناس فمن اختلط يقتل ومن لا يختلط لا يقتل.

قتل شيوخ المشركين والمرضى والعمي والزمنى

اختلف في قتل المشركين على رأيين:

1-فمنهم من ألحق الشيوخ بالأطفال والنساء كالحنفية ومالك، واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود عن أنس مرفوعا : لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا . والحديث فيه خالد بن الفزر وليس بذاك.

وقد قال الفقهاء أن مناط (علة) عدم قتلهم هي نفسها الموجودة في الأطفال إذ ليس لهم نفع للمشركين ولا ضرر على المسلمين.

قال ابن نجيم في البحر (5/48): (ولا تقتل امرأة ولا غير مكلف، وشيخ فان وأعمى، ومقعدا إلا أن يكون أحدهم ذا رأي في الحرب).

2-ومنهم كالشافعية -على الأ صح-من أباح قتلهم، ويستدل بحديث في الصحيحين: بأن أبا عامر الأشعري قتل دريد بن الصمة وقد نيف على المائة عام... .

ويستدل لهم كذلك بحديث عند أحمد والترمذي وصححه عن سمرة: اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم (1) [رواه النسائي].

وقد علل أحمد بن حنبل أمره ص بقتل الشيوخ أن لا يكاد يسلم، أما الصغير فهو الأقرب إلى الإسلام.

ويضاف إلى هذا أن الشيوخ غالبا لهم رأي ومكيدة في الحرب، فدريد بن الصمة قد نصح مالك بن عوف أن لا يأخذ الذرية والنساء فرفض، فقال بعد الهزيمة:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم وقد أرى غوايتهم وأنني غير مهتد

وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد

ومما استدل به هؤلاء الفريق عموم قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) فكلمة المشركين عام لدخول (ألـ) الإستغرافية -الشمولية-على الجمع، فلا بد لتخصيص الشيوخ من نص ولا يوجد نص صحيح.

قال ابن المنذر: (لا أعرف حجة في ترك قتل الشيوخ يستثنى بها من عموم قوله تعالى: (فاقتلوا المشركين)، ولأنه كافر لا نفع في حياته فيقتل كالشاب.

وخلاصة الأمر والذي نرجحه والله أعلم:

أن من كان به فائدة للمشركين أو غيره فإنه يقتل -شيخا كان أو راهبا أو مقعدا -.

وأما الشيخ الهرم -الخرف-والراهب المعتزل والمريض الذي يعاني من آلامه، وهم الذين ليس لهم نفع للكفر، ولا ضرر على المسلمين، فالأولى تركهم للنصوص الواردة (وإن كان فيها ضعف وظلم لأن القياس يدعمها بجانب عدم النفع والضرر)(2) [أنظر الأوطار 7/248].

وقد أوصى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان قائلا له: (ولا تقتلن امرأة ولا صبية ولا كبيرا هرما )، أخرجه مالك في الموطأ.. أنظر الموطأ بشرح الزرقاني (3/092) ولكن الحديث مرسل.

وفي المبسوط للسرخسي (01/731): قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن قتل النساء والصبيان والشيخ الكبير الذي لا يطيق القتال والذين بهم زمانة لايطيقون القتال، فنهى عن ذلك وكرهه.

قتل النساء الشيوعيات في أفغانستان

أما النساء الشيوعيات في أفغانستان فيجب قتلهن سواء اشتركن في الحرب أو في الرأي أم لم يشتركن، وسواء انفردن أو اختلطن، وسواء كانت واحدة أو مجموعة، لأنهن ذوات عقائد يكافحن ضد الإسلام ويؤذين الإسلام والمسلمين، وقد ثبت أن رسول الله ص قال عن امرأتين كانتا لبني عبد المطلب، وكن يؤذين الرسول ص وأهله والإسلام بالكلام، فقال فيهما وفي مجموعة من الرجال: أقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة... .

قطع الأشجار وقتل الحيوانات

أولا : اتفق جمهور الفقهاء الأربعة أن كل ما فيه مصلحة للمسلمين أو مضرة بالكافرين أثناء المعركة أو الإعداد لها يجوز فعله، سواء كان هذا الفعل قتل إنسان أو حيوان، أو قطع شجر، أو تدمير بناء، لأن المقصود بالمعركة ابتداء وانتهاء إزالة الفتنة ونشر الدعوة وإعلاء دين الله، فإذا أباح الإسلام قتل البشر الذين يقفون أمام الدعوة فمن باب أولى يجوز إتلاف أموالهم إن كان فيها إضرار بهم أو إجبار لهم على الخضوع لهذا الدين.

وفي النصوص شاهد لما ذهب إليه الفقهاء الأربعة:

1-ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ص قطع نخل بني النضير وحرقه فيها.

يقول حسان:

وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

وفي ذلك نزلت: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها...) السراة: جمع سري وهو الرئيس.

لؤي: أحد أجداد النبي ص، أراد حسان تعيير مشركي قريش بما وقع في حلفائهم من بني النضير.

البويرة: جهة قبالة مسجد قباء، لينة: نخلة لينة الثمر، أو النخلة الكريمة ما لم تكن برنيه أو عجوة، لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرني دون اللينة، وقيل (الدقل من النخل).

قال السهيلي: في تخصيص اللينة بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو هو ما لايكون معدا للاقتيات، وكذا ترجم البخاري في التفسير: (ما قطعتم من لينة) فقال: نخلة ما لم تكن برنية أو عجوة) نيل الأوطار (7/152). وهذا استنباط لطيف دقيق، لأنه لا بد أن يبقى للإنسان -مشركا أو كتابيا -ما يقتات به، لا أن يفعل المسلمون كما فعل ستالين بالمسلمين من أهل القرم وقفقاسيا وتركستان الذي أحرق محاصيلهم وتركهم يموتون جوعا .

لقد حدثني أهالي قفقاسيا أن آباءهم أكلوا أبناءهم وأمهاتهم الذين ماتوا قبلهم، فكان كل واحد ينتظر موت الآخر حتى يأكله قبل أن يموت، أو كما تفعل روسيا الآن بأفغانستان، ويكفيك أمثلة واضحة هرات، بادغيس، وقندهار ومجاعاتها.

2-ومما استدل به الفقهاء الأربعة حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله ص على قرية يقال لها ابنى، فقال: ائتها صباحا ثم حرق رواه أبو داود وسكت عليه المنذري وفيه صالح بن الأخضر قال البخاري: هو لين واعتبره أحمد،(أبني: بلد في فلسطين.)

1-رأي المالكية:

قال ابن العربي بعد أن ذكر أن رسول الله ص أحرق نخل بني النضير (ولكنه قطع وحرق ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم حتى يخرجوا عنها، فإتلاف بعض المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا مقصودة عقلا)أحكام القرآن لابن العربي.

2-رأي الحنفية:

قال السرخسي (01/13): ولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها بالماء، ويخربوا البنيان، ويقطعوا الأشجار لأن رسول الله ص قطع نخل بني النضير.

وقال الكاساني في البدائع (9/603): (ولا بأس بقطع أشجارهم المثمرة وغير المثمرة وإفساد زروعهم، ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار، وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم، ونصب المنجنيق عليهم... لأن كل ذلك من باب القتال، لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم، ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها، ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلوا، فكيف بأموالهم?).

وانظر هذا الفهم الدقيق واستنباط هذه القاعدة العظيمة بأن حرمة الأموال لحرمة أربابها، فإذا أهدرت حرمة رب المال فمن باب أولى إهدار حرمة أمواله.

3-رأي الشافعية:

قال الرملي (8/076): (يجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم، لاتباع ذلك في نخل بني النضير النازل فيه أول الحشر بما زعموه فسادا ).

4-أما الحنابلة:

جاء في المغني (8/354): (ولا يقطع شجرهم، ولا يحرق زرعهم إلا أن كانوا يفعلون ذلك في بلادنا فيفعل ذلك بهم لينتهوا).

وجملته أن الشجر والزرع ينقسم ثلاثة أقسام:

أحدهم: ما تدعو الحاجة إلى إتلافه كالذي يقرب من حصونهم، ويمنع من قتالهم، أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة طريق، أو تمكن من قتل، أو سد شق، أو إصلاح طرق، أو ستارة منجنيق أو غيره، أو يكونون يفعلون ذلك بنا فيفعل بهم ذلك لينتهوا، فهذا يجور بغير خلاف نعلمه.

الثاني: ما يتضرر المسلمون بقطعه لكونهم ينتفعون ببقائه لعلو منهم، أويستظلون به، أو يأكلون من ثمره، أو تكون العادة لم تجر بذلك بيننا وبين عدونا، فإذا فعلناه بهم فعلوه بنا، فهذا يحرم لما فيه من الإضرار بالمسلمين.

الثالث: ما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه للمسلمين ولا نفع سوى غيظ الكفار والإضرار بهم ففيه روايتان.

أحدهما: لا يجوز.. لحديث أبي بكر ووصيته، وقد روي نحو ذلك مرفوعا إلى النبي ص، ولأن فيه إتلافا محضا ، فلم يجز كعقر الحيوان، بهذا قال الأوزاعي والليث وأبو ثور.

والرواية الثانية: يجوز.. بهذا قال مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر.

قال إسحق: التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو لقول الله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين).

وروى ابن عمر: أن رسول الله ص حرق نخل بني النضير وقطع وهو البويرة، فأنزل الله تعالى: (ما قطعتم من لينة)، (متفق عليه)،

ولها يقول حسان:

وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير

ويرى مجموعة من الفقهاء كراهية قطع الشجر المثمر مثل الأوزاعي وأبي ثور، واستدلوا بعموميات لا تقف أمام نصوص الجمهور، منها:

أ. قوله تعالى في سورة البقرة: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد).

ب. وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان: عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشا إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان.... فقال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما، ولا تقطع شجرا مثمرا ولا تخرب عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكله ولا تعقرن نخلا ولا تحرقه ولا تغلل ولا تخبن (1) [رواه مالك في الموطأ -نيل الأوطار 7/249]. الخبنة: ما تحمله في حضنك، وفي الحديث: (ولا يتخذ خبنة) -أ. ه-المختار-.

وهذا الأثر مرسل، إذ أن يحيى لم يدرك أبا بكر، ولو كان متصلا صحيحا فإنه لا يقف أمام فعل رسول الله ص بأنه أحرق نخل بني النضير كما مر في الصحيحين، لأنه إذا تعارض كلام الصحابي مع الحديث المرفوع يقدم الحديث المرفوع.

وأما الآية الكريمة فهي تتكلم عن الإفساد في الأرض، ومن يستطيع الإدعاء أن قطع الجيش المسلم للشجر المثمر إفساد في الأرض، فإذن ماذا نسمي قتل الجيش الإسلامي للأطفال والنساء والشيوخ عند الحاجة?!

إن الجهاد ذاته إتلاف لنفوس صفوة البشر وخيار الناس من المؤمنين والمسلمين للحفاظ على الدين، لأنه إذا تعارض حفظ الدين وحفظ النفس، فحفظ الدين أولى... ولذا يقتل المرتد.

ولذا فالجهاد نفسه تعزير بالنفس، ألا ترى أن الغلام قتل نفسه من أجل نشر الدين?

يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (82/054): (إن الغلام أمر بقتل نفسه من أجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين).

جاء في أحكام الجصاص (1/2621): قال محمد بن الحسن في السير الكبير: (لو أن رجلا حمل على ألف رجل وحده لم أر بذلك بأسا إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لان هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين).

قال الجصاص: (فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي ص فقال: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة).

أما الآية: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها..) فقد نزلت في الأخنس بن شريق عندما جاء إلى رسول الله ص وأعلن إسلامه ثم عندما خرج أحرق الزروع وعقر المواشي، فاستعمال هذه الآية مع الجيش المسلم -إذا اضطر لقطع الأشجار-ليس له أدنى مناسبة بالموضوع.

نعود فنقول: كل ما كان في مصلحة الجهاد من نفع للمسلمين أو إضرار للكافرين فهذا يفعل لأن مصلحة الجهاد مقدمة على كل شيء.

وتقدير المصلحة يرجع إلى رأي القائد العسكري في أرض المعركة، فإن كان في قتل الكفار، وإتلاف أموالهم، وقطع أشجارهم مصلحة فهذا لا بأس من فعله، بل لا بد من فعله لإعلاء كلمة الله، والقائد عادة يقدر إن كانت هذه الأموال بعد المعركة ستؤول إلى أيدي المسلمين بأن يكون غنائم أو ترجع إليهم فيئا فلا يمكن للقائد أن يتلفها لأنه يضيع مصالح المجاهدين، وفيه إتلاف للأموال بلا فائدة، وهو محرم سواء في السلم أو في الحرب.

أما إذا كان يظن أن العدو سيظفر بالمسلمين أو يغلبهم فإن القائد العسكري قد يتلف الأموال والسلاح والذخائر التي بين يديه مما لا يستطيع حمله معه إلى قواعد المسلمين.

حكم الحيوانات

إن بعض الفقهاء نصوا على أن الحيوانات المؤذية والنجسة كالكلاب تقتل في السلم والحرب... أما غير المحترم ككلب عقور، فيجوز بل يندب إتلافه مطلقا .. أما الحيوانات غير المأكولة مما يستفاد منه في الحرب كالبغال والحمير والخيول، فإن استطعنا أن نأخذها، فلا نقتلها، وإن لم نستطع فقتلها من توهين قوى الكفار وتخضيدا لشوكتهم فنقتلها، أما الحيوانات المأكولة، فإن استطعنا أن نذبحها ونأكلها فهو أولى وأفضل، ولا يجوز قتلها، وإلا فحكمها كغير المأكولة.

قال الشافعية: الرملي (8/76): (ويحرم إتلاف الحيوان المحترم بغير ذبح، ويجوز أكله حفظا لحرمة روحه، ومن ذلك امتنع على مالكه تركه بلا مؤونة وسقي بخلاف الشجر، والمقاتلين عليه فيجوز لنا إتلافه لدفعهم أو الظفر بهم قياسا على ما مر في ذراريهم.. بل أولى، أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره فيجوز إتلافه أيضا دفعا لهذا المفسدة، أما إذا خفنا رجوعه فقط فلا يجوز إتلافه.. بل يذبح للأكل) الرملي (8/76).

أما ابن حزم: فقد حرم عقر أي حيوان مأكول إلا ذبحا للأكل، فقال في المحلى (7/964): (ولا يحل عقر شيء من حيواناتهم لا إبل ولا بقر ولا غنم ولا خيل ولا دجاج ولا غير ذلك إلا للأكل فقط حاشا الخنازير والخيل في حالة المقاتلة فقط).

استعمال المدفعية والطائرات والهاون والصواريخ للقصف

قد أشرنا أن القتال في الإسلام لإزالة العقبات أمام دعوته ولتحطيم الأنظمة السياسية التي تحول دون وصول الإسلام إلى الشعوب، فإذا استطعنا أن نوصلها دون قتل أو قتال فهذا الذي يتمناه المسلم أن يهدي الله على يديه واحدا (وهو خير له من حمر النعم)، فإن لم نستطع فدفع الحواجز بكل الطرق الممكنة بلا إزهاق لأرواح الضعفة ولا إتلاف لأموال.

فإن لم نستطع الوصول إلى الطواغيت المتألهة في الأرض إلا بقتل الذرية وقطع الأشجار وتدمير المنشآت، فلا بأس، لأن هذه اضطررنا إليها اضطرارا ولم تكن مقصودا لنا ولا هدفا .

وقد مر معنا حديث الصعب بن جثامة أن رسول الله ص سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم? فقال: هم منهم (1) [رواه الجماعة إلا النسائي ورواه أبو داود].

قال الزهري: (ثم نهى رسول الله ص عن قتل النساء والصبيان) فإن الزهري يعتبر قتل النساء والأولاد إذا لم يكن مقصودا يحرم، وكذلك لأنه منسوخ، وقد تعرضنا للرد عليه بالحديث المرسل الذي أخرجه الترمذي أن الرسول الله ص: (نصب المنجنيق على أهل الطائف) ورجاله ثقات أنظر سبل السلام (4/2531).

وبالحديث الآخر عن سلمة بن الأكوع (بيتنا هوازن مع أبي بكر الصديق وكان أمره علينا رسول الله ص) رواه أبو داود وسكت عليه المنذري.

وغزو الطائف وهوازن في آواخر أيام الرسول ص.

قال الترمذي: قد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل، وأن يبيتوا، وكرهه بعضهم، قال أحمد وإسحاق: لا بأس أن يبيت العدو ليلا .

قال الصنعاني عند حديث نصب المنجنيق: (في الحديث دليل على أنه يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق) ويقاس عليه غيره من المدافع المعدة فيما جاء في الغزو لصديق حسن (731).

البغاة وقطاع الطرق

كثير من قوافل المجاهدين تتعرض لهجمات بعض الشطار والذعار الذين يخيفون الطريق بسلاحهم، هؤلاء يتشهدون بالشهادتين وقد يصلون ويصومون، فما الحكم الشرعي لهؤلاء الناس?

وقبل أن نشرع في بيان الحكم الشرعي لا بد من إيضاح المصطلحات:

فالبغاة: هم الخارجون عن طاعة الإمام الحق، والخارجون على أربعة أصناف:

1- الخارجون بلا تأويل -مستند شرعي-بظنهم، سواء كان لهم منعة أوليس لهم منعة -قوة وشوكة-يأخذون أموال الناس، ويقتلونهم ويخيفون الطريق وهم قطاع الطرق.

فإذا غاب الإمام وقطع قوم طريق المسلمين فهم قطاع طرق بالمصطلح الشرعي، ويطبق عليهم حكم قطاع الطريق.

2-صنف لهم تأويل -مستند شرعي-ولكنه بظنهم الخاطئ وليس لهم منعة فهؤلاء كذلك قطاع طرق.

3-صنف خرجوا على الإمام بتأويل ومنعة ويرون أن الإمام كافر لا بد من قتاله، ويستحلون دماء المسلمين وأموالهم، ويسبون نساءهم، وهؤلاء هم الخوارج.

وهؤلاء ليسوا كفارا عند جمهور الفقهاء، وقال بعض أهل الحديث أنهم كفار مرتدون.

ولكن قال ابن المنذر: لا أعلم أحد ا وافق أهل الحديث على تكفيرهم.

وقد سئل علي بن أبي طالب عنهم أهم كفار? فقال: هم من الكفر فروا. قالوا: أمنافقون هم? فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، ثم قال: هم إخواننا بغوا علينا.

وقال علي للخوارج: (لن نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولن نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولن نقاتلكم حتى تقاتلون).

وحكم الخوارج حكم البغاة، يرسل إليهم من يناقشهم، ويزيل شبهتهم، ولا يبدأون بالقتال حتى يقاتلوا المسلمين، ثم يقاتلون، فإن كانت لهم فئة ينحازون إليها يجهز على جريحهم، ويتبع موليهم -هاربهم-، وإن لم تكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم.. وهذا رأي الحنفية.

أما الشافعية والحنبلية والمالكية فقالوا: لا يجهز على جريحهم، ولا يتبع هاربهم في الحالين، الإفصاح (2/132) وفتح القدير (5/733).

وقد روى ابن أبي شيبه عن علي رضي الله عنه أنه قال يوم الجمل: (لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ومن ألقى سلاحه فهو آمن).

وأما ما أتلفوه من أموال أهل العدل: فلا يضمنوها عند المالكية والحنفية ورواية عن أحمد.

وقال الشافعي في القديم ورواية عن أحمد: يضمنون.

وروى ابن أبي شيبه أن عليا لما هزم طلحة أمر مناديه فنادى: (أن لا يقتل مقبل ولا مدبر، (يعني بعد الهزيمة) ولا يفتح باب، ولا يستحل فرج ولا مال.

وروى عبد الرزاق نحوه وزاد... وكان علي رضي الله عنه لا يأخذ مال المقتول ويقول: من اعترف شيئا فليأخذه). فتح القدير لابن الهمام (5/733).

وأما أسيرهم فهو راجع للإمام.. إن شاء الله قتله وإن شاء حبسه أيهما خير، لكسر شوكتهم.

4-الصنف الرابع: قوم مسلمون خرجوا على إمام العدل ولم يستبيحوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين والذراري وهؤلاء هم البغاة.

حكم قطاع الطريق أو المحاربين

قطع الطريق: هو البروز لأخذ مال أو لقتل أو إرهاب مكابرة اعتمادا على الشوكة -القوة مع البعد عن الغوث-.

وقاطع الطريق: مسلم أو ذمي مكلف له شوكة تعرض للنفس أو البضع أو المال مجاهرا. نهاية المحتاج للرملي (5/3).

والبعيد عن الغوث إما للبعد عن العمران أو السلطان أو من ضعف أهل العمران والسطان.

فإشهار السلاح وقطع السبيل خارج المصر وداخله سواء، وهذا رأي مالك والشافعي والصاحبين -أبي يوسف ومحمد-وجمهور الحنابلة.

وقال أبو حنيفة وبعض الحنبلية: (لا يكون قطع الطريق إلا خارج المصر -أي البلد-)(1) [نيل الأوطار 7/336 وفتح القدير 5/177].

وروي عن مالك أنهم إذا كانوا على ثلاثة أميال من القرية فمحاربون، وإن كانوا أقل من ذلك فلا.. إذ يمكن أن يلحق بالمعتدى عليه الغوث.

ورأي الشافعية ومالك والصاحبين أرجح والله أعلم، لأن الإخافة هي الإخافة سواء كانت في المصر أو خارجه.. بل هي في المصر أشد وأنكى، لأنه لا يخيف في المصر إلا إذا كانت شوكته أشد. والإخافة في المصر أعظم ضررا وأكثر خوفا ، ولأن الآية لم تفصل.

شروط قطع الطريق:

1-أن يكون ذلك بعيدا عن الغوث سواء في القرى أو خارجها وهذا رأي جمهور الفقهاء.(2) [المغني مع الشرح الكبير 10/737، نيل الأوطار 7/737 بداية المجتهد 2/340].

2-أن يكون معهم سلاح، فإن كان معهم عصي وحجارة فهو قاطع طريق عند جمهور الفقهاء من الحنبلية والشافعية.

وقال أبو يوسف: يعتبر استعمال الحجارة والخشب في الليل قطع طريق.. أما في النهار فلا بد من السلاح.

وقال أبو حنيفة: لا يعتبر قاطعا للطريق إلا بالسلاح. فتح القدير (5/581)، والفتوى في المذهب على قول أبي يوسف.

3-أن يكونوا مجاهرين ويأخذون المال قهرا ، أما إذا أخذوه سرا أو خفية فهي سرقة وليست حرابة -قطع الطريق-.

حكم قطاع الطريق:

الأصل فيه الآية: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدرا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) (المائدة: 33-43)

وهذه الآية نزلت في قطاع الطرق على قول ابن عباس رضي الله عنهما، وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور والحنفية.

وسمي قاطع الطريق محاربا لله ورسوله، لأن المسافر يعتمد على الله تعالى، فالذي يزيل أمنه محارب لمن اعتمد عليه في تحصيل الأمن.

وأما محاربته لرسوله فإما باعتبار عصيان أمره باعتبار أن الرسول الله ص هو الحافظ لطريق المسلمين والخلفاء والملوك بعده نوابه، فمن أخاف الطريق فقد حارب الله ورسوله.

كيف تطبق العقوبات

اختلف العلماء هل هذه العقوبات على التخيير? -أي راجعة للإمام-أم مرتبة حسب الجرائم التي يرتكبها المحارب على رأيين:

1-قال الجمهور (وهم الحنفية والشافعية والحنبلية): العقوبات حسب الجنايات.

2-قال مالك: الإمام بالخيار واعتمد الجمهور -الشافعية والحنبلية والحنفية-على قول ابن عباس رضي الله عنهما الذي أخرجه الشافعي في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق (إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا ، نفوا من الأرض)(1)[رواه الشافعي في مسنده نيل الأوطار 7/332 والسياسة الشرعية لابن تيمية 78].

أو في الآية للتنويع وليس للتخيير، لأن عرف القرآن الكريم فيما أريد التخيير البداءة بالأخف ككفارة اليمين، وما أريد به الترتيب بديء بالأغلظ ككفارة الظهار والقتل(2)[المغني 10/306 ونهاية المحتاج 8/5].

جاء في المغني (01/403): (فمن قتل منهم وأخذ المال قتل -وإن عفا صاحب المال-وصلب حتى يشتهر ودفع إلى أهله، ومن قتل منهم ولمن يأخذ المال قتل ولم يصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمني ورجله اليسرى في مقام واحد ثم حسمتا وخلي).

روينا نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة ومجلز وحماد والليث والشافعي وإسحق.

وقال ابن رشد القرطبي في بداية المجتهد (2/143)، قال مالك: إذا قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه، وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه.

ومعنى التخيير عنده: أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام، فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه لأن القطع لا يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة و بأس قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك فيه وهو الضرب والنفي) وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب ومجاهد والحسن والضحاك والنخعي وأبو ثور، وداود (3)[فتح القدير 5/178].

ملاحظة: القتل في الآية حد للحرابة -قطع الطريق من قبل مجموعة من الحرامية أو الأعراب أو القبائل-ومعنى حد أنه يجب على الإمام تنفيذه، ولا يجوز العفو عنه بحال ولو عفى أولياء المقتول، وهذا إجماع كما ذكره ابن المنذر.. السياسة الشرعية (87).

الصلب:

إذا قتل محارب وأخذ المال فإنه يصلب ويقتل، واختلف العلماء في وقت الصلب أهو قبل القتل أو بعده.

1-قال الشافعية والحنبلية: الصلب بعد القتل.

جاء في نهاية المحتاج (8/6): (وإن قتل قتلا يوجب القود وأخذ مالا يقطع به في السرقة قتل بلا قطع ثم غسل وكفن وصلي عليه ثم صلب مكفنا معترضا على نحو خشبة، ولا يقدم الصلب على القتل لكونه زيادة تعذيب).

ومدة الصلب ثلاثة أيام بلياليها في قول الشافعية ويصلب حيا قليلا ثم ينزل فيقتل.

2-قال الحنفية وابن القاسم وابن الماجشون من المالكية: يصلب حيا ثم يقتل لأن الصلب عقوبة ولا عقوبة للميت وبه قال الأوزاعي والليث ومالك.

مدة الصلب:

1-قال الشافعية والحنفية: ثلاثة أيام، وأما أبو يوسف من الحنفية فقال: يترك على خشبة حتى يتقطع فيسقط فيعتبر به غيره.

جاء في فتح القدير (5/801): (ويصلب حيا ويبعج بطنه برمح إلى أن يموت ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام).

2 -قال الحنبلية: (يصلب قدر ما يطلق عليه اسم الصلب لأن التوقيت بغير توقيف، أي: لا دليل عليه.

معنى النفي:

قال الحنفية: النفي هو السجن.

قال مالك: ينفى من البلد إلى بلد آخر، ويسجن في البلد الثانية.

قال الحنبلية: نفيهم أن يشردوا فلا يتركون يأوون في بلد.

قال أبو الزناد: كان منفى الناس إلى باضع من أرض الحبشة وذلك أقصى تهامة من اليمن(1)[المغني 10/214 وبداية المجتهد 2/242 ونيل الأوطار 7/236 وفتح القدير 5/179].

واستدل الحنفية بأن الحبس نفي ببيتين من الشعر لصالح بن عبد القدوس:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى

إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

اشتراط النصاب في المال المأخوذ:

اشترط الفقهاء الأربعة كون المال المأخوذ من قبل جماعة الحرامية يبلغ النصاب، والنصاب ربع دينار فصاعدا عند الجمهور -الشافعية والمالكية والحنبلية-، وقد جاء في هذا أحاديث صحيحة كثيرة.

والجمهور يشترطون كون المأخوذ يبلغ النصاب سواء كان نصيب كل قاطع نصابا أو أقل... وهذا رأي الجمهور.

وقال الحنفية: لا بد أن يكون نصيب كل حرامي يبلغ النصاب، ومقدار النصاب الذي قطع به يد السارق عندهم عشرة دراهم فصاعدا.

حكم الردء (المعين):

إذا باشر أحد السراق القتل بنفسه والبقية له أعوان وردء، فهل يطبق حد الحرابة على الأعوان?

1-قال الشافعية: لا يطبق.. بل يعزرون بحبس وتغريب.

جاء في نهاية المحتاج (8/7): (ومن أعانهم وكثر جمعهم مقصرا على ذلك عزر بحبس وتغريب وغيرهما كبقية المعاصي).

2-قال الجمهور وهم الحنفية والمالكية والحنبلية: الجميع يقتلون ولو كانوا مائة لأن الردء والمباشر سواء، وهذا هو الماثور عن الخلفاء الراشدين، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل ربيئة المحاربين. والربيئة: هو الناظر الذي يجلس على مكان عال ينظر منه لهم من يجيء(2) [السياسة الشرعية 79 وفتح القدير 5/81].

وهذا هو الرأي الذي تستريح له النفس لأن قوة القاتل بسبب العون الذي وراءه.

حكم اشتراك المرأة في الحرابة:

قال الجمهور: إذا اشتركت المرأة في الحرابة يطبق عليها حد الحرابة قياسا على السرقة، فكما أن المرأة إذا سرقت تقطع فإذا حاربت تحد.

وقال الحنفية: لا تحد المرأة في الحرابة.

حكم اشتراك الأطفال والمجانين:

قال أبو حنيفة: إذا اشترك بعض هؤلاء في الحرابة يسقط الحد عن الجميع.

جاء في فتح القدير (5/381): وإن كان من القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين، والمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر.

وعن أبي يوسف: لو باشر العقلاء يحد الباقون لأن المباشر أصل والردء تابع.

وقال جمهور أهل العلم: إن كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم لم يسقط الحد عن غيره لأن الصبي والمجنون لا يحدان، وإن باشرا القتل وأخذ المال لأنهما ليسا من أهل الحدود، وعليها ضمان ما أخذا من المال في أموالها، ودية قتلهما على عاقلتهما(1)[المغني 10/309].

توبة المحاربين قبل القدرة عليهم:

يقول الله عز وجل: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم)، وتوبة المحاربين تكون بوجهين:

أحدهما: أن يتركوا ما هم عليه وإن لم يأتوا الإمام.

والثانية: أن يتركوا سلاحهم ويأتوا طائعين.

فإذا تاب المحارب أو الحرامي يسقط عنه حد الحرابة.

وهل تسقط التوبة حقوقا أخرى?

هنالك أربعة أقوال:

1-قول مالك: التوبة تسقط حد الحرابة فقط، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق الله كالزنا والشرب وحقوق الآدميين كحق القذف.

2-يسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنى والشراب.

أما حقوق الآدميين من الأموال والدماء فلا تسقط إلا أن يعفو أولياء المقتول، وهذا قول القاضي من الحنبلية(2)[المغني 10/315].

3-التوبة ترفع جميع حقوق الله ويؤخذ بالدماء، والأموال بما وجد بعينه في أيديهم.

4-التوبة تسقط جميع حقوق الله والآدميين، إلا ماكان من الأموال موجودا بأيديهم(3)[بداية المجتهد 2/343].

والنفس تميل إلى رأي الإمام مالك الأول، وعليه فإذا قتل المحارب رجلا ثم تاب فإنه يقتص منه بعد التوبة إلا إذا عفا أولياء المقتول.

وإن كانت الأموال قد تلفت بالأكل وغيره عندهم أو عند السارق، فقيل: يضمنونها لأربابها كما يضمن سائر الغارمين، وهو قول الشافعي وأحمد رضي الله عنهما، وتبقى مع الإعسار في ذمتهم إلى ميسرة.

وقيل: لا يجتمع الغرم والقطع، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.

وقيل: يضمنونها مع اليسار فقط دون الإعسار، وهو قول مالك رحمه الله(4)[السياسة الشرعية 89].

زعيم القبيلة الذي يدعم القطاع:

إذا كان هنالك وزير أو زعيم قبيله أو عمدة قوية يدعم القطاع ويقاسمهم الأموال فهذا أعظم جرما من زعيم عصابة الحرامية، وحكمه حكم الردء والعون، وإن قتلوا قتل هو على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأكثر أهل العلم(5)[السياسية الشرعية 90].

أخذ الضريبة من المارين:

هنالك بعض القرى، خاصة قرى الشيعة في باميان(6) [ولاية في أفغانستان]. يأخذون الضريبة على الدواب ونسبة من السلاح من المجاهدين المارين، فإن هم منعوا الطريق،: فهم قطاع طرق، وحكمهم حكم قطاع الطريق.

وإن أخذوا نسبة من المال وسمحوا للمجاهدين بالمرور: فهؤلاء ليسوا قطاع طرق وإنما هو مكاسون عليهم عقوبة المكاسين.

وقد اختلف الفقهاء في جواز قتلهم، ولكنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، حتى قال رسول الله ص في الغامدية -التي زنت ورجمت-: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له .

أي: أن المكس أشد من زنا المحصن.

ويجوز للمجاهدين عدم إعطائهم أي مال وقتال بإجماع المسلمين.

فإذ قتل المجاهدون، فهم شهداء، وإن قتل المكاسون فهم في النار وفي حديث صحيح: من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد .

خروج المرجف والمخذل للجهاد

يجب على الأمير أن يمنع المخذل والمرجف من مصاحبة الجيش.

والمخذل: هو الذي يثبط الناس عن الغزو ويزهدهم في الخروج للقتال.. كأن يحتج بكثرة الثلوج أو الأمطار أو بالخوف على المسلمين من ضرب أعدائهم واحتلال بلادهم.

أما المرجف: فهو الذي ينشر عيوب الجيش المسلم ويحاول أن يقلل من شأنهم وينشر أخبار هزائمهم ويضخم من شأن العدو وقوته.

والدليل على عدم السماح له قول الله عز وجل:

(فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) (التوبة: 38)

قال القرطبي في تفسيره (8/812): وهذا يدل على أن اصطحاب المختل -المرجف-في الغزوات لا يجوز.

ويقول الله عز وجل:

(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) (التوبة: 64)

قيل: معناه لأوقعوا بينكم الإختلاف. وقيل: لأسرعوا في تفريق جمعكم.

وإن خرج معه أحد هؤلاء لم يسهم له من الغنيمة كالمجاهدين ولا يرضخ له (أخذ شيء من الغنيمة بدون قسمة وإعطاؤه له) وإن أظهر بطولة في المعركة، لأن ضرره على المسلمين أشد من ضرره على الكافرين.

وهذا مذهب أحمد والشافعي(1)[المغني 10/420-10/372].

جاء في نهاية المحتاج للرملي الشافعي (8/06): (ويسن للإمام أو نائبه منع المخذل والمرجف من الخروج وحضور الصف وإخراجه منه ما لم يحس فتنه.. بل يتجه وجوب ذلك عليه حيث غلب على ظنه حصول ذلك منه وإن بقاءه مضر بغيره).

وجاء في الإنصاف للبهوتي الحنبلي (4/241): (يلزم الإمام منع المخذل والمرجف ومن يكاتب بأخبار المسلمين ومن يرمي بينهم بالفتن ومن هو معروف بالنفاق والزندقة).

حكم الأسرى

يختلف حكم الأسير باختلاف الجنس والعمر والدين، والأسرى عادة على ثلاثة أصناف:

أولا : النساء والأطفال: هؤلاء لا يجوز قتلهم أثناء الحرب إذا كانوا منفردين غير مقاتلين، وكذلك بعد الأسر لا يجوز قتلهم، ويصبحون رقيقا بمجرد الأسر(2)[المغني مع الشرح الكبير 10/450].

ثانيا : الرجال من أهل المجوس والكتاب: وهؤلاء اختلف آراء الفقهاء فيهم، وإليك التفصيل -إن شاء الله-:

قال بعض العلماء -كالحسن ومجاهد-: لا يجوز قتل الأسير، وحكى محمد بن الحسن التميمي أنه إجماع الصحابة(3)[بداية المجتهد 1/279].

أما الفقهاء الأربعة:

فقد اتفقوا أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والإسترقاق.

أما المن بدون مال فقد منعه الحنفية وأجازه الشافعية والحنبلية.

أما الإمام مالك فقد اختلفت عنه الرواية في المن بدون مال بالجواز وعدمه(1)[نيل الأوطار 8/145 عن معاني الصحاح 2/281 المغني 10/200].

أما الفداء بالمال: فقد أجازة المالكية والشافعية والحنبلية، وأما الحنفية فقد منعوه.

جاء في المبسوط للسرخسي: (سألته عن الأسير يقتل أو يفادى قال: يقتل أو يجعل فيئا).

وقال الشافعي: يفدى بالمال العظيم.

وقال محمد: يفدى إن كان المسلمون بحاجة إلى مال.

واستشهد أبو حنيفة بقول أبي بكر: لا تفادوه، وإن أعطيتم به مدين من ذهب.

ولأن تخلية المشرك ليعود حربا على المسلمين معصية، وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز وهو: ترك واجب... وقتل المشرك فرض، ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا مع الحاجة إلى المال.

ولا يجوز تقوية المشركين بالسلاح، فكذلك لا تجوز تقويتهم بالرجال، والذي يدل على جواز المن والفداء قوله عز وجل:

(فإما منا بعد وإما فداء) (محمد: 4)

فنص على جواز المن بدون مال والفداء بالمال.

أما الحنفية: فيرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:

(فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (التوبة: 5)

لأنها نزلت بعدها، لأن سورة التوبة نزلت بعد سورة محمد ص، ولكن لا دليل على النسخ، وفعل رسول الله ص يدل على أنه من وفادى وبادل الأسرى وقتل واسترق.

أما بالنسبة للمن ففي صحيح مسلم عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ص وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم فأخذهم صلى الله عليه وآله وسلم سلما فأعتقهم، فأنزل الله عز وجل:

(وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة) (الفتح: 42)(2)[نيل الأوطار 8/140].

وعن جبير بن مطعم أن النبي ص قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له (3) [ رواه البخاري نيل الأوطار 8/140].

وفي الصحيحين أن رسول الله ص من على ثمامة بن أثال من بني حنيفة وهو سيد أهل اليمامة. نيل الأوطار (8/041).

أما الدليل على جواز الفدية حديث ابن عباس رضى الله عنهما: (أن رسول الله ص جعل فداء أهل الجاهيلة يوم بدر أربعمائة) رواه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله ثقات(4)[نيل الأوطار 8/146].

وأما الدليل على مبادلة الأسرى:

فقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فادى بالرجل الذي من بني عقيل -صاحب العضباء-برجلين من المسلمين.

(العضباء اسم ناقة الأعرابي التي أصبحت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(5) [نيل الأوطار 8/146، والمغني 10/401].

ولقد ورد عن أبي حنيفة روايتان أظهرهما عدم الجواز، وأما الصاحبان فقد أجازا مبادلة الأسرى، المبسوط (01/921).

ولقد قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجال بني قريظة وهم بين الستمائة والسبعمائة.

وقتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط -(6) [المغني 10/401]. وهذا دليل على جواز قتل الأسرى.

الرأي الراجح في الأسرى:

لا شك أن الرأي الراجح في الأسرى هو رأي الجمهور: وهوأن الإمام مخير في الأسرى بما فيه مصلحة المسلمين بين القتل والاسترقاق والمن والفداء بمسلم أو مال.

وهذا الرأي الذي تدعمه الأدلة، فالإمام يختار الأصلح للمسلمين بالنسبة للأسرى.

جاء في الشرح الكبير مع المغني (01/704): فإن كان فيهم من له قوة ونكاية في المسلمين فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم أو الدفع عنهم فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقة أصلح كالنساء والصبيان، والإمام أعلم بالمصلحة ففوض ذلك إليه.

إذا أثبت ذلك فإن هذا تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة، فمتى رأى المصلحة في خصلة لم يجز اختيار غيرها، لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر لهم، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ كولي اليتيم، ومتى حصل عنده تردد في هذه الخصال فالقتل أولى.

قال مجاهد في أميرين: أحدهما يقتل الأسرى وهو أفضل، وكذلك قال مالك.

وقال اسحق: الإثخان أحب إلي ، إلا أن يكون معروفا يطمع به في الكثير.

حكم الأسير الشيوعي الأفغاني:

كثير من الشيوعيين إذا أسرهم المجاهدون وشعروا أنهم سيقتلون ينطقون بالشهادتين، ومع ذلك فإن المجاهدين يقتلونهم ، واعترض بعض الناس على هذا الفعل ظانين أن كلمة الشهادة تعصم دمه.

وقد استشهد هؤلاء الناس بحديث أسامة (كيف قتلته بعد أن قال لا إله إلا الله)?

والحق أن الحال في أفغانستان يختلف ، إذ أن المجاهدين من عادتهم إذا أسروا أسرى جاءوا بهم إلى مجلس القضاء في الحزب، فيحققون معهم، وهم يعرفون بعضهم البعض، فعندما يتأكدون أنه شيوعي، ويعرف عليه أهل قريته، فإنهم يقتلونه سواء نطق بالشهادتين أو صلى أو أقام شعائر الإسلام.

نعم! إن الحكم الشرعي في الكافر الأسير إذا أسلم أنه لا يجوز قتله ويصبح معصوم الدم، ويصير رقيقا في الحال، له حكم الأطفال، فلا يجوز قتله ويصبح عبدا، وهذا عندما تكون كلمة لا إله إلا الله هي الفارق بين الكفر والإسلام.

أما الحال في أفغانستان فهو مختلف تماما، إذ أن بابراك كارمل ونجيب زعيم الحزب الشيوعي الأفغاني الذي يمسح الإسلام من أفغانستان يقول أنا مسلم ويصلي وتظهر صورته بالتلفاز.

ومثل هؤلاء يقتلون ولا يقبل ادعاؤهم، وإليك الأدلة على صحة هذا الحكم:

1-أن رسول الله ص قال يوم الفتح في مجموعة: أقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة -منهم المقيس بن ضبابة وابن خطل والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه-مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية.

وقد صح أن ابن خطل قتل وهو معلق بأستار الكعبة(1) [زاد المعاد 3/439].

2-روى الإمام مسلم (عن عمران بن حصين قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ص وأسر أصحاب رسول الله ص رجلا من بني عقيل، وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الوثاق، فقال: يا محمد. فأتاه فقال: ما شأنك? فقال: بما أخذتني وأخذت سابقة الحاج? -يعني العضباء-فقال أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف، ثم انصرف، فناداه فقال: يا محمد! فقال: ما شانك? قال إني مسلم قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح)(2) [رواه مسلم وأحمد].

قال الشوكاني عن هذا الحديث:

أن للإمام أن يمتنع من قبول إسلام من عرف منه أنه لم يرغب في الإسلام وإنما دعته إلى ذلك الضرورة، ولا سيما إذا كان في عدم القبول مصلحة للمسلمين)(3) [نيل الأوطار 8/147].

3-الشيوعي الأفغاني إما زنديق أو مرتد، وحكم الزنديق أنه يقتل دون استتابة.

هذا رأي جمهور الفقهاء، وبه قال مالك وأحمد والليث وغيرهم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: لا تقبل توبة من كرر ردته كالزنديق، لقوله تعالى: (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادو كفرا لن تقبل توبتهم).

وفي الدراية (المذهب الحنفي) روايتان في الزنديق: (لا تقبل) كقول مالك وأحمد، وفي رواية (تقبل) كقول الشافعي(1) [فتح القدير لابن الهمام 5/309].

4-أما المرتد الذي تغلظت ردته ونصب نفسه لحرب الإسلام والمسلمين فيجوز قتله دون استتابة.

قال ابن رشد في بداية المجتهد (2/443): (وأما إذا حارب المرتد ثم ظهر عليه فإنه يقتل بالحرابة، ولا يستتاب كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن لحق بدار الحرب إلا أن يسلم، والإسلام يسقط عنه حد الحرابة، ولكن حكمه فيما جنى حكم المرتد إذا جنى في ردته في دار الإسلام ثم أسلم)... أي: يقتل قصاصا إذا قتل.

يقول ابن القيم في زاد المعاد (3/464): يجوز قتل المرتد الذي تغلظت ردته من غير استتابة، فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ص، ثم ارتد ولحق بمكة، فلما كان يوم الفتح أتى به عثمان بن عفان رسول الله ص ليبايعه، فأمسك عنه طويلا ثم بايعه وقال: إنما أمسكت عنه ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال له رجل: هلا أومأت إلي يا رسول الله? فقال (ما ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين)(2) [رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي].

5-كل من جاهر بسب الله، أم رسول الله ص، أو بسب دين الإسلام فإنه يقتل دون استتابة سواء كان مسلما أو ذميا .

ولذلك... (لما قتل الأعمى أم ولده لأجل سبها النبي ص أهدر النبي دمها)(3) [رواه النسائي وسنده قوي وأبو داود ورجاله ثقات أنظر زاد المعاد].

ومن أراد الإستزادة في هذا الموضوع فعليه أن يراجع كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) لشيخ الإسلام ابن تيمية.

وهذا الحكم إجماع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومقتضى النصوص على هذا المسألة أكثر من أربعين حديثا (4)[زاد المعاد 3/440].

وهذا الشيوعي معروف لدى أهل بلده بسب الإسلام ومعاداة الرسول الله ص، وقد بقي يحارب المسلمين حتى آخر لحظة.

6-ولنفرض أنهم كانوا مسلمين أصلا وسيقوا إلى المعركة قصرا وقتلوا المسلمين فإنهم يقتلون قصاصا .

قال عمر: (لو اشترك أهل صنعاء في قتل رجل لقتلتهم به جميعا ).

7-المحاربون المسلمون الذين يخرجون على الإمام والبغاة الذين يقطعون الطرق ويخيفون المسلمين.. هؤلاء يقتلون حدا كما قال الله عز وجل:

(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) (المائدة: 33)

فجزاء المحارب القتل أو الصلب أو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو النفي من الأرض، ولا تقبل توبته بعد أسره وإخضاعه، إنما تقبل التوبة من المحارب بحيث لا يقام عليه الحد إذا تاب قبل أن نقدر عليه:

جاء في فتح القدير عن البغاة (5/733): (فإن كانت لهم فئة أجهز على جريحهم وأتبع موليهم، وإن كانت لهم فئة يقتل الإمام الأسير وإن شاء حبسه).

فالإمام يحكم نظره فيما هو أحسن الأمرين في كسر الشوكة من قتله وحبسه ويختلف ذلك بحسب الحال..، هذا في الأسير المسلم، فكيف في الأسير الشيوعي?

واتفق الفقهاء الأربعة أن المحارب المسلم الذي يقطع الطريق إذا قتل يقتل وإن عفى أولياء المقتول(5) [الإفصاح 2/265].

وعليه: يجوز قتل الشيوعي الأفغاني وإن نطق بالشهادتين.

الأسرى من عبدة الأوثان والملحدين:

اختلفت آراء العلماء في حكم الرجال الأسرى من عبدة الأوثان.. هل يجوز استرقاقهم أم لا يجوز?

والخلاف بناء على خلافهم في قبول الجزية منهم أو رفضها.

1-أما الشافعية والحنبلية: فلا يجيزون استرقاقهم بناء على أن الجزية لا تقبل منهم.. بل تقبل الجزية فقط من أهل الكتاب والمجوس.

2-أما الحنفية: فيجيزون استرقاق عبدة الأوثان من العجم أما العرب فلا يجيزون استرقاقهم، وذلك أن الحنفية يقبلون الجزية من عبدة الأوثان.

ولذا: فعند الشافعية الإمام مخير بين القتل والمن والفداء.

أما الحنفية فيقولون أن الإمام مخير بين القتل والإسترقاق(1)[المغني 10/400].

أما استرقاق أسرى العرب فيجوز بالدليل لأن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار كانت من سبايا بني المصطلق، فوقعت لثابت بن قيس، فقضى رسول الله ص كتابتها وتزوجها، فقال الناس: أصهار رسول الله ص، فأرسلوا ما بأيديهم.

قالت عائشة: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق. رواه أحمد واحتج به في رواية محمد بن الحكم وقال: لا أذهب إلى قول عمر (.. ليس على عربي ملك) قد سبى النبي ص العربي في غير حديث، وأبو بكر وعلى حين سبى بني ناجية(2)[نيل الأوطار 8/150].

وكذلك كان عند عائشة سبية من بني تميم فقال النبي ص: (أعتقيها)(3) [متفق عليه].

وكذلك قال ص لوفد هوازن: (فاختاروا احدى الطائفتين إما السبي وإما المال)(4)[رواية البخاري وأحمد].

وقد افتتح الصحابة أرض الشام وهم عرب، وكذلك أطراف بلاد العرب ولم يفتشوا العربي من العجمي والكتابي من الأمي (العربي) بل سووا بينهم.. لم يروا عن أحد خلاف ذلك(5) [نيل الأوطار 8/153].

ملاحظات حول الأسرى:

1-من أسر أسيرا فلا يجوز له أن يتصرف به، إنما أمره إلى الأمير، والأمير في الجهاد الأفغاني هو أمير الحزب أو التنظيم.

ولا يجوز لمن أسر أسيرا أن يقتله إلا إذا امتنع من السير معه، أو كان جريحا لا يستطيع السير.

2-جرحى الحرب من الكفار: يجوز قتلهم وإنهاؤهم.

3-الطفل المأسور -السبي-يكون على ثلاثة أقسام:

أن يسبى منفردا عن أبويه فيصير مسلما بالإجماع، لأن الدين إنما يثبت له تبعا ، وقد انقطعت تبعيته لأبويه لانقطاعه عنهما وإخراجه عن دارهما ومسيره إلى دار الإسلام تبعا لسابيه المسلم، فكان تبعا له في دينه.

أن يسبى مع أحد أبويه فيحكم بإسلامه أيضا ، وبه قال الأوزاعي وقال أبو الخطاب: يتبع أباه.

وقال القاضي: فيه روايتان (أشهرها) أن يحكم بإسلامه، (والثانية) أن يتبع أباه.

وقال أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله: يكون تابعا لأبيه في الكفر لأنه لم ينفرد عن أحد فلم يحكم بإسلامه كما لو سبي معهما.

وقال مالك: (إن سبي مع أبيه تبعه لأن الولد يتبع أباه كما يتبعه في النسب، وإن سبي مع أمه فهو مسلم لأنه لا يتبعها في النسب فكذلك في الدين)(6)[الشرح الكبير مع المغني 10/411].

4-المرأة الشيوعية: تقتل لأنها مرتدة.

ففي الصحيح: من بدل دينه فاقتلوه .

وكذلك تقتل لأنها تشارك في الحرب وفي الرأي وفي تهييج الكفار ضد المسلمين.

5-لا يجوز تشويه الأسير ولا قطع أذنية، ولا قلع عينيه لأن رسول الله ص نهى عن المثلة، ولا يجوز قطع رأسه ولا قدميه.

حكم العين (الجاسوس)

يختلف حكم الجاسوس باختلاف دينه وحاله، فالجاسوس الكافر غير الذمي المعاهد وغير المسلم.

والجاسوس: هو الذي يطلع على أسرار الناس وعيوبهم وينقلها.

والمقصود بالجاسوس هنا: هو الذي ينقل أسرار المسلمين إلى أعدائهم.

أما الجاسوس الكافر فيقتل عند جمهور الفقهاء.

والدليل في هذا الحديث الذي في الصحيحين عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال:

أتى النبي ص عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل، فقال النبي ص : أطلبوه واقتلوه، فقتله، فنفله سلبه (1) [هذه رواية البخاري].

وفي رواية مسلم قال ص: من قتل الرجل?، قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع (2)[فتح الباري 6/168 باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير إسلام].

قال النووي: (فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق.. وأما المعاهد الذمي، فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعي خلاف في ذلك.. أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا).

أما الذمي: فإن تجسس على المسلمين فقد اختلف الفقهاء في اعتبار تجسسه نقضا لعهده فيقتل أو يكون فيئا للمسلمين أم لا.

فقال الحنفية: لا يكون هذا نقضا إلا أن ينعى عليه في عقد الذمة أو عهد الأمان.

جاء في شرح السير الكبير (5/0402): (قال محمد بن الحسن: وكذلك لو فعل هذا -التجسس-ذمي فإنه يوجع عقوبة ويستودع السجن، ولا يكون هذا نقضا منه للعهد، وكذلك لو فعله مستأمن فينا إلا أنه يوجع عقوبة في جميع ذلك).

فإن كان حيث طلب الأمان قال له المسلمون: قد أمناك إن لم تكن عينا فتجاهل المسألة، فلا بأس بقتله، وإن رأى الإمام سلبه حتى يعتبر به غيره فلا بأس بذلك، وإن رأى أن يجعل فيئا فلا بأس به أيضا كغيره من الأسرى... إلا أن الأولى أن يقتله هنا ليعتبر غيره، فإن كان مكان الرجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضا إلا أنه يكره.

والشيخ العاقل الذي لا قتال عنده بمنزلة المرأة أيضا، أما الصبي فلا يجعل فيئا ولا يقتل.

أما الجاسوس الذي ظاهره الإسلام فاختلفت آراء الفقهاء فيه.

قال الحنفية والشافعية والحنبلية: لا يقتل بل يعزر.

وقال مالك وابن القاسم وأشهب من المالكية: يجتهد في ذلك الإمام.

وقال عبد الله بن الماجشون من المالكية: إذا كانت تلك عادته، قتل لأنه جاسوس، وقد قال مالك بقتل الجاسوس وهو صحيح لإحرازه بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. تفسير القرطبي (81/25)، وقال الأوزاعي: عاقبه الإمام عقوبة منكلة وغربه إلى الآفاق(3) [شرح السنة للبغوي 10/71].

جاء في السير الكبير: (قال محمد بن الحسن:إذا وجد المسلمون رجلا -ممن يدعي الإسلام-عينا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم، فأقر بذلك طوعا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة).

والأصل في هذا الباب حديث حاطب بن أبي بلتعة البدري الذي كتب إلى كفار مكة يخبرهم بأن الرسول ص يريد غزوهم، فقال رسول الله ص: (ما هذا يا حاطب? فقال: لا تعجل علي إني امرؤ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أقربائهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذا فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا، والله ما فعلته شكا في ديني ولا رضى في الكفر بعد الإسلام.

فقال رسول الله ص: إنه قد صدق. فقال عمر: يا رسول الله دعني أجز عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ص: إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فنزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) (4)[حديث متفق عليه].

جاء في شرح السنة (01/47).

قال الإمام: في حديث حاطب دليل على حكم التأول استباحه المحظور خلاف حكم المعتمد لاستحلاله من غير تأويل وأن من تعاطى شيئا من المحظور ثم ادعى له تأويلا محتملا لا يقتل منه.

وأن من تجسس لكفار ثم ادعى تأويلا وجهالة يتجافى عنه.

وقد استدل الجمهور بالآية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)

فقد سمى الله حاطب بن أبي بلتعة مؤمنا ... والمؤمن لا يجوز قتله ولا سفك دمه.

وقد مال ابن القيم إلى رأي الإمام مالك، ونحن نرى رأي الإمام مالك رحمه الله.

قال ابن القيم في زاد المعاد (3/411) ثبت عنه أنه قتل جاسوسا ، واستأذن عمر في قتل حاطب فقال: ومايدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

فاستدل به أيضا من يرى قتله كمالك وبعض أصحاب أحمد وغيرهم -رحمهم الله-، قالوا لأنه علل بعلة مانعة منه قتله لم يعلل بأخص من أهل بدر لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى والله تعالى أعلم.

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

الغلول من الغنيمة

الغلول: هو السرقة من الغنيمة قبل قسمتها.

قال ابن قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه أي يخفيه فيه.

حكم الغلول:

نقل النووي الإجماع على أنه من الكبائر.

وقليله وكثيره حرام.

وقال ابن المنذر:

أجمعوا على أن على الغال أن يعيد ما غل قبل القسمة.

وأما بعدها: فقال النووي والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي.

وأما الشافعي فيقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن لم يملك فليس له أن يتصدق بمال غيره.

ثم قال الشافعي: والواجب أن يدفع إلى الإمام كالأموال الضائعة.

الترهيب من الغلول:

وردت أحاديث تقطع نياط القلوب وتفزع المرء المسلم أن يفرط في أموال الجهاد أو يتهاون فيها، ومن الأحاديث في الغلول:

1- روى البخاري -فتح الباري (6/781)-عن عبد الله بن عمر قال: (كان على ثقل النبي ص رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله ص: هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها).

والثقل -بفتحتين-هو العيال والمتاع، وكان كركرة هذا عبدا نويا أسود أهداه إليه هوزة بن علي الحنفي صاحب اليمامة.

2-وفي الصحيحين عن أبي هريرة واللفظ للبخاري -كما في زاد المسلم (1/502)-: (خرجنا مع رسول الله ص يوم خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة، إلا الأموال والثياب والمتاع فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له رفاعة بن زيد لرسول الله ص غلاما يقال له (مدعم) فوجهه رسول الله ص إلى وادي القرى حتى إذا كان بوادي القرى بينما مدعم يحط رحلا لرسول الله ص إذا سهم غائر (لا يدري من رماه) فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال النبي ص: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ص، فقال: (شراك من نار أو شراكان من نار).

والشراك: هو رباط الحذاء.

والأوصال تضطرب إذا قرأت مثل هذا الحديث، وتقض النفس عن مضجعها، فهذا الغلام شهيد إلا أنه غل شملة (عمامة)، فدخل النار ليعذب على مصيبته أو هو في النار إلى أن يعفو الله عنه.

إذا كان الذي يغل (يسرق) من غنائم المجاهدين قبل القسمة تشتعل عليه الشملة نارا ، فكيف الذي يأكل أموال الجهاد التي جمعت بالدرهم والدرهمين لليتامى والأرامل والأزواج المجاهدين اللاتي لا يجدن ما يقمن به أودهن وتعوزهم لقمة العيش?

وماذ تكون عقوبة الذي يبذر أموال الجهاد هنا وهناك دون أن أن يرعى حق الله فيها?

بل لا يوصل إلى المجاهدين من أموالهم وتعطى لمن يتقنون التمسح بالأبواب والتردد على الأعتاب.

نرجو الله أن يعافينا وأن يحمينا من التهاون بأموال المجاهدين وأن يغفر لنا.

(ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة: 682)

روى البخاري -فتح الباري (6/481)-عن أبي هريرة: (أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال له النبي ص بالفارسية: كخ كخ.. أما تعرف أنا لا تأكل الصدقة??)، كخ: كلمة زجر للصبي عما يريد فعله.

لقد أخرج رسول الله ص حبة التمر من داخل فم حفيده الحسن لأنها من الصدقة.

الغال يفضح على رؤوس الأشهاد يوم القيامة:

فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال:

(قام فينا رسول الله ص فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال:

لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة: يقول:

يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء«.

حمحمة: صوت الفرس عند الطعام، وهو دون الصهيل.

أكل الطعام من الغنائم ليس غلولا:

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

(كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفع)(1)[رواه البخاري-فتح الباري 6/256-].

والحديث له حكم الرفع للتصريح بكونه في زمن الرسول الله ص. ومعنى لا نرفعه:

أي لا ندخره، أولا نستأذن به الرسول ص.

قال الحسن:

(كان أصحاب رسول الله ص إذا افتتحوا المدينة أو الحصن أكلوا من السويق والدقيق والسمن والعسل...)(2)[القرطبي 4/258]. ولقد بلغني أن بعض المجاهدين الأفغان يرفض الأكل من طعام الغنيمة حتى يدفع ثمنه ومنهم قائد نازيان (سازنور).

وقد اتفق الفقهاء الأربعة على جواز الأكل من طعام الغنائم قبل القسمة.

قال ابن حجر في فتح الباري (6/552): (والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله عموما ، وكذلك علف الدواب سواء كان قبل القسمة أو بعدها بإذن الإمام وبغير إذنه.

والجمهور على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة، واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم ورد ذلك بعد انقضاء الحرب.

لا يشترط استئذان الأمير في أكل الطعام من الغنائم:

قال عياض: أجمع العلماء على جواز أكل طعام الحربيين مادام المسلمون في دار الحرب على قدر حاجتهم، ولم يشترط أحد من العلماء استئذان الإمام إلا الزهري. وجمهور الفقهاء على أنه لا يجوز أخذ الطعام إلى دار الإسلام بل يجب رده، ولا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب(3)[بذل المجهود 12/268].

ركوب الدواب ولبس الثياب واستعمال السلاح جائز بدون إذن، ويجوز ركوب الدواب عند الحاجة، واستعمال الثياب قبل القسمة بدون استئذان، وشرطه الأوزاعي(1)[بذل المجهود 12/286 وفتح الباري 6/265].

واشتراط الحاجة استنباط من الحديث عن رويفع بن ثابت مرفوعا : (من كان يؤمن باللهلله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم، وذكر في الثوب مثل ذلك)(2)[رواه أبو داود والطحاوي باسناد حسن-فتح الباري 6/256-].

وقد حمل أبو داود الحديث على عدم الحاجة.. أما مع الحاجة فلا بأس ولا حرج.

قال في الهداية: (لا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا مما وجدوه من طعام، لقوله عليه السلام في طعام خيبر: ؛كلوها واعلفوها ولا تحملوها)، ويستعملوا الحطب، ويدهنوا بالدهن، ويقاتلوا بمايجدون من السلاح. كل ذلك بلا قسمة إذا احتاج إليه.

ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا، ولا يتمولونه.. وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة)(3)[بذل المجهود 12/267].

عدم جواز الإستئثار بالطعام وحرمان الآخرين:

لا يجوز لبعض المجاهدين نهب الطعام وحرمان الآخرين، فقد روى أبو داود بإسناده عن أبي لبيد قال: (كنا مع عبدالرحمن بن سمرة بكابل فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها، فقام خطيبا فقال: سمعت رسول الله ص ينهى عن النهب، فردوا ما أخذوا، فقسمه بينهم)(4)[بذل المجهود 12/269].

ذبح الأنعام للأكل جائز في دار الحرب عند الأئمة الأربعة:

اتفق الفقهاء الأربعة على جواز ذبح البهائم في دار الحرب كالطعام والعلف، ولكن الشافعي قيده بالحاجة.

وأما الحنفية: فاختلفت الرواية عن محمد بن الحسن، فاشترط (في السير الصغير) الحاجة إلى التناول قياسا ، ولم يشترطها (في السير الكبير) استحسانا .. وهو قول الثلاثة -أبي حنيفة، والصاحبين-، ولذا يجوز للغني والفقير أن يتناول من الطعام واللحم والخبز والعسل والسكر والفاكهة اليابسة والرطبة والبصل والشعير والزيت والدهن، ولكن لا يجوز للتاجر ولا للأجير الذي دخل لخدمة المجاهدين بأجر، ولو أخذ أو أكل للأجر أثم ولكن لا ضمان عليه.

استعمال السلاح والخيل والدواء تشترط فيه الحاجة:

نص ابن الهمام الحنفي بأن السلاح والخيل والدواء تشترط فيه الحاجة: بأن انكسر سلاحه أو مات فرسه، أما إذا أراد أن يوفر سلاحه وفرسه باستعمال ذلك فلا يجوز، ولو فعل أثم ولا ضمان عليه.

الفاضل من الطعام حتى دخول دار الإسلام:

اختلف الفقهاء الأربعة في وجوب رد الطعام الباقي معهم من الغنائم عند دخول دار الإسلام فقالوا: لا بد من رد الكثير.

أما القليل: فقال مالك: لا يرده... وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي.

وقالت الحنفية: يرده، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي لحديث: (أدوا الخيط والمخيط).

هدايا الأمراء غلول:

ومن الغلول هدايا الأمراء والحكام والعمال (الموظفين)، ففي الحديث: (هدايا العمال غلول)(5)[حديث حسن رواه أحمد والبيهقي].

وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغال من الغنيمة، وقد ورد فيه حديث ابن اللتيبية الذي رواه مسلم وفيه: ... لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيرا فله رغاء، وإن كانت بقرة فلها خوار، أو شاة تيعر .

حبس الكتب عن أصحابها من الغلول:

قال الزهري: أياك وغلول الكتب، فقيل له: وما غلول الكتب?، قال: حبسها عن أصحابها(6) [تفسير القرطبي 4/262].

الشهيد وأحكامه

سبب تسمية الشهيد:

اختلف في سبب تسميته شهيدا، فقال الأزهري: لأن الله تعالى ورسوله ص شهدا له بالجنة.

وقال النضر بن شميل: الشهيد الحي.. فسمو بذلك لأنهم أحياء عند ربهم.

وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيقبضون روحه.

وقيل: لأنه ممن يشهد على الأمم. -حكى هذه الأقوال الأزهري-.

وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.

وقيل: لأن له شاهدا بقتله وهو دمه لأنه يبعث وجرحه يتفجر دما .

وقيل: لأن روحه تشهد دار السلام وروح غيره لا تشهدها إلا يوم القيامة(1)[المجموع للنووي 1/277].

تعريف الشهيد:

1-عند الشافعية:

جاء في المجموع شرح المهذب (1/162): (الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه: هو الذي مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال سواء قتله كافر، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد إليه سلاح نفسه، أو سقط عن فرسه، أو رمحته دابته فمات، أو وطئته دواب المسلمين او غيرهم، أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أو كافر، أو وجد قتيلا عند انكشاف الحرب ولم يعرف سبب موته، وسواء كان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أم بقي زمنا ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب، وسواء أكل وشرب ووصى، أم لم يفعل شيئا من ذلك، وهذا كله متفق عليه عندنا.. نص عليه الشافعي).

2-الشهيد عند الحنفية:

جاء في حاشية ابن عابدين (2/742): (الشهيد: هو كل مكلف مسلم طاهر قتل ظلما بجارحة ولم يجب بنفس القتل مال ولم يرتث).

واشترط الكاساني في البدائع ستة شروط لعدم الغسل للشهادة: العقل، والبلوغ، والقتل ظلما بجارحة، ولم يجب بنفس به عوض مال، والطهارة من الحدث الأكبر، وعدم الإرتثاث.

شروط الشهادة:

1-أن يكون القتال في سبيل الله (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)(2)[متفق عليه].

وهذا نص ضابط، فكل من كان قصده نصرة الإسلام ثم قتل فهو شهيد وإلا فلا.

2-الصبر: (إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر، كفر الله خطاياك إلا الدين) (3) [رواه مسلم].

والصابر: هو المقبل على العدو لصبورته وقلبه، ولا يضره مع ذلك أن يجد ألما في قلبه وكراهية للموت وفراق الأهل.

والصبر على العبادة فعلها بشروطها، والصبر على الجهاد فعله بشروطه.

3-الإقبال وليس الإدبار.

4-عدم الغلول: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) حاملا غله على ظهره.

والغلول: هو السرقة من الغنائم قبل القسمة.

وفي صحيح البخاري (فتح الباري (6/781): عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كان على ثقل النبي ص رجل يقال له كركرة فمات، فقال النبي ص: هو في النار فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها.

الثقل (بفتحتين): العيال والمتاع.

وفي حديث خيبر المشهود قول النبي ص -يعني خادمه الذي يسمى مدعما ، وكان قد قتل في وادي القرى-: (إن الشملة التي أخذها من أخذها من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا).

والحق أن الشرط الأول يغني عنها جميعا، والشروط الأخرى توضيحية للبيان، أما الغلول فإنه ينقص الأجر ولا يبطل الشهادة.

وقليل الغلول وكثيره حرام.

أثر الدين في الشهادة وتكفير الخطايا:

الدين لا يؤثر في الشهادة، ولكن تكفير الخطايا كلها قد يؤثر فيه الدين.

قال النووي في شرح مسلم: (إلا الدين).. فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وإنما تكفر حقوق الله تعالى.

وكذلك قال ابن عبد البر: وقد ذكر القرطبي شرطا في الدين المانع من مغفرة الذنوب وهو: (إذا امتنع عن أداء الحقوق مع تمكنه).. أما إذا لم يستطع قضاء الدين مع محاولته فالمرجو من كرم الله تعالى -إذا صدق في قصده وصحت نيته-أن يرضي الله تعالى خصومه عنه بما شاء حتى يدخل الجنة.

هكذا حقوق الآدميين.. أما حقوق الله تعالى فالظاهر أنها تغفر كلها بالشهادة.

وفي النوادر أن التشديدات التي وردت في الدين كلها منسوخة إلا من أدان في سرف أو فساد.

وذكر نحو ذلك عن ابن شهاب وهذا رأي المالكية.

غسل الشهيد:

اتفق الأئمة الأربعة على أن الشهيد لا يغسل. وهذا قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في هذا الحكم إلا الحسن وسعيد بن المسيب وابن سريج الشافعي.

فقالوا بغسل الشهيد، واحتجوا بأنه: ما مات ميت إلا جنبا والجنب يجب تغسيله.

واحتج الجمهور بحديث جابر: (أن رسول الله ص أمر بشهداء أحد بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم)(1) [رواه البخاري والنسائي وابن ماجة والترمذي وصححه].

ولأحمد أن النبي ص قال في قتلى أحد: (لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم)(2) [نيل الأوطار 4/28].

ورأي الجمهور أرجح للأدلة الصحيحة التي تكاد تصل إلى حد التواتر.

غسل الشهيد الجنب والشهيد الحائض:

قال جمهور الفقهاء:

لا يغسل الشهيد الجنب، وهذا رأي الشافعي ومالك وأحمد والصاحبان أبو يوسف ومحمد والحنبلية.

وقال أبو حنيفة وابن أبي سريج وابن أبي هريرة من الشافعية: يغسل... واستدل بحديث أن حنظلة ابن أبي عامر الراهب قد استشهد جنبا يوم أحد فغسلته الملائكة، رواه الطبراني باسناد جيد، نيل الأوطار (4/92) وكذلك رواه البيهقي باسناد جيد من رواية عبد الله بن الزبير متصلا .

جاء في حاشية ابن عابدين (2/942): (غسل الجنب: يغسل عنده خلافا للصاحبين، وأما الحائض إذا انقطع الحيض أو النفاس تغسل عنده خلافا للصاحبين).

ورأي الجمهور هو الأصح لأنه لو وجب غسله لغسله رسول الله ص.

وغسل الملائكة كرامة، ولا يسد عن غسل البشر له لو وجب، وحكم المرأة الحائض الشهيد كالجنب(3) [المغني 2/402].

أما المالكية فجاء في حاشية الدسوقي (1/624): الجنب والحائض لا يغسلان.. قال أشهب: لا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه، وإن كان جنبا .. وبه قال أصبغ وابن الماجشون خلافا لسحنون.

قال النووي في المجموع (1/362): لو استشهد جنب فوجهان: (أصحهما) باتفاق المصنفين يحرم غسله، وبه قال جمهور أصحابنا المتقدمين لأنها طهارة حدث فلم يجز كغسل الميت، (والثاني) وبه قال ابن سريج وابن أبي هريرة يجب غسله بسبب شهادة الجنابة.

أما الحائض الجنب فقد أشار القاضي أبو الطيب والشيخ نصر المقدسي إلى الجزم بأنها لا تغسل بالإتفاق.

وعلة عدم غسل الشهيد أن الغسل يزيل الدم وهو أثر العبادة المستحسنة شرعا .

وقد جاء في البخاري: (والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم من يكلم في سبيله-إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك).

الكافر إذا أسلم دون غسل ثم استشهد.

لا يغسل، لأن أصيرم بني عبد الأشهل أسلم يوم أحد ثم قتل ولم يغسل.. وهو حديث صحيح(1)[المغني 2/402].

الصلاة على الشهيد:

اختلف العلماء في الصلاة على الشهيد على رأيين: الأول -وهو رأي الجمهور-: إنه لا يصلى عليه، وهو قول مالك والشافعي وجمهور الحنبلية وإسحاق ورواية عن أحمد.

الثاني: وهو راي الحنفية والثوري ورواية عن أحمد أنه يصلى عليه، وهو رأي الحسن البصري وسعيد بن المسيب.

وقد استدل الجمهور بحديث البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله ص يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذا للقرآن? فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم. رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة.

وعن أنس رضي الله عنه أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم(2)[رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح.. المجموع 1/265، ورواه أحمد والترمذي.. نيل الأوطار4/42].

وأما الحنفية:

1-فقد استدلوا على رأيهم بحديث عن أبي مالك الغفاري عند أبي داود ولفظه: أن رسول الله ص صلى على قتلي أحد عشرة.. عشرة، في كل عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين مرة. والحديث مرسل ولا يقف أمام حديث البخاري أنه لم يصل عليهم.

قال الشافعي رحمه الله:

(وشهداء أحد اثنان وسبعون شهيدا ، فإذا صلى عليهم عشرة عشرة فالصواب أن لا يكون أكثر من سبع صلوات أو ثمان على أنه صلى على كل تسعة مع حمزة صلاة، فهذه سبع، فمن أين جاءت سبعون صلاة? وإن عنى أنه كبر سبعين تكبيرة فنحن وهم بقول التكبير أربع فهي ست وثلاثون تكبيرة.

قال الشافعي رحمه الله: ينبغي لمن يروي هذا الحديث أن يستحي على نفسه، وما كان ينبغي له أن يعارض به الأحاديث، فقد جاءت من وجوه متواترة أن النبي ص لم يصل عليهم.

2-استدل الحنفية بحديث أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي ص قال أغرنا على حي من جهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه، فقال رسول الله ص: أخوكم يا معشر المسلمين! فابتدره الناس فوجدوه قد مات، فلفه رسول الله ص بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا رسول الله! أشهيد هو? قال: نعم وأنا له شهيد(3)[رواه أبوداود وسكت عليه هو والترمذي .. نيل الأطار 4/30].

ولكنا نقول إن هذا الحديث لا تقوم به حجة كذلك، ولا يقف أمام أدلة الجمهور، لأن في إسناده سلام بن أبي سلام وهو مجهول.

3-واستدل الحنفية بحديث عقبة بن عامر في البخاري ومسلم وغيرهما أنه ص صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على ميت كالمودع للأحياء والأموات(4)[والحديث صحيح، نيل الأوطار 4/43].

قال الطحاوي: إن معنى صلاته عليهم لا يخلوا من ثلاثة معان:

1-إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم.

2-أو يكون من سنتهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة.

3-أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرها فانها واجبة.

فإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى(1) [نيل الأوطار 4/44].

ويرد الجمهور على الطحاوي بأن دعوى النسخ غير ثابتة..

أما تأخير الصلاة على الميت بعد ثمان سنوات فهذا بعيد ومردود فلا بد من حمل معنى الصلاة على الدعاء، والصلاة على القبر مخالفة لأصول الحنفية لأنهم لا يصلون على القبر بعد ثلاثة أيام، ولا يصلى على القبر -إذا صلى عليه-بعد الدفن. وهم يقولون بأنه صلى على شهداء أحد قبل الدفن... ولأن الحنفية لا يقبلون خبر الواحد فيما تعم به البلوى، فلم يقبلون هذا الخبر? قال محمد بن الحسن: (الشهيد إذا قتل في المعركة لم يغسل ويصلى عليه في قول أهل العراق وأهل الشام -به نأخذ-، وفي قول أهل المدينة لا يصلى عليه وممن قال ذلك مالك بن أنس).

ويرد محمد بن الحسن على حديث جابر الذي في البخاري والذي استدل به الجمهور فقال: (وكان جابر رضي الله عنه يومئذ قتل أبوه وخاله فكان مشغولا بهما لم يشهد صلاة الرسول ص على الشهداء على ما روي أنه حملهما إلى المدينة فنادى رسول الله ص أن ادفنوا القتلى في مضاجعهم -مصارعهم-(2) [شرح السير الكبير 1/221].

ويرد الجمهور:

إذا كان جابر مشغولا بأبيه وخاله فكيف لا يعلم حال الصلاة عليهما أو تركهما?

وإذا رد الحنفية على حديث جابر الصحيح فكيف يردون على حديث أنس رضي الله عنه?

وقال الحنفية إن حديث جابر لا يحتج به لأنه نفي،

وأحاديثنا في الصلاة على شهداء أحد إثبات، والقاعدة:

إذا تعارض النفي مع الإثبات فالإثبات مقدم .

ورد الجمهور على الحنفية بأن شهادة النفي إنما ترد إذا لم يحط بها علم الشاهد ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علمه وكان محصورا فيقبل بالإتفاق، وهذه قصة معينة أحاط بها جابر وغيره علما .

وأما رواية الإثبات فضعيفة، فوجودها كالعدم -إلا حديث عقبة-وقد أجبنا عنه(3)[المجموع 1/260].

ومما يرد على الحنفية أن أحاديث الصلاة على الشهيد موافقة للبراءة الأصلية.. وأما أحاديث عدم الصلاة على الشهيد فهي ناقلة عن البراءة الأصلية.

والقاعدة الأصولية: (إذا تعارض الحديث الموافق للبراءة الأصلية مع الحديث الناقل عن البراءة الأصلية يقدم الناقل ويرجح).

هذا إذا كانت الأحاديث في نفس الدرجة من الصحة، فكيف إذا كانت أحاديث الصلاة على الشهيد كلها ضعيفة كما قال الشوكاني في نيل الأوطار (4/24).

(وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت)، والحق الذي لا محيد عنه أن رأي الجمهور أصح وأرجح وأقوى بأدلة عقلية ونقلية واضحة وضوح الشمس.

ولذا فلا يصلى على الشهيد لأنه حي، والحي لا يصلى عليه.

ولأن الشهادة منزلة رفيعة، وصلاة الجنازة شفاعة، والشهيد قد غفر ذنبه، فإن السيف محاء الخطايا.. بل الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته. ثم الشهيد لم يغسل فكيف يصلى عليه?

هل يقال لفلان شهيد:

عندما نقول أن فلانا شهيد: أي نعامله معاملة الشهداء في الدنيا من حيث ترك الغسل والصلاة عليه، ولكننا لا نشهد لأحد بجنة ولا بنار، لأن القلوب بيد الله وله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله.

وهذا الذي درج عليه المؤلفون من أهل السير والمغاري والمعارك الإسلامية، فيقولون: شهداء أحد وحنين واليرموك والقادسية.

وكذلك كتب الرجال تجد فيها: استشهد في اليمامة.. قتل في القادسية شهيدا ... وهكذا. وقد سئل الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في جواز أن يقال أن فلانا شهيد، فأجاب: (فمن ثبت ولايته بالنص وأنه من أهل السنة وأنه من أهل الجنة كالعشرة وغيرهم، فعامة أهل السنة يشهدون له بما شهد له به النص).

وأما من شاع له لسان صدق في الأمة بحيث اتفقت الأمة على الثناء عليه فهل يشهد له بذلك? هذا فيه نزاع بين أهل السنة والأشبه أن يشهد له بذلك) (1)[مجموع الفتاوى 11/65].

أقسام الشهيد:

شهيد الدنيا والآخرة: وهو المسلم الذي قتل في المعركة مع الكفار، وهو يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

ومعني شهيد الدنيا: الذي يعامل من قبل الناس معاملة الشهيد.. أي لا يغسل ولا يكفن.

ومعني شهيد الآخرة: الذي يأخذ أجر الشهادة ومنزلتها عند الله.

شهيد الدنيا: المسلم الذي يقاتل في المعركة مع الكفار ولكنه يقاتل حمية أو رياء.

شهيد الآخرة: الذي يأخذ أجر الشهادة ولا يعامل معاملة الشهيد، فيغسل ويكفن ويصلى عليه.. مثل الميت في الطريق والهجرة والجهاد، ومثل المبطون والمصاب بالطاعون والغريق.

وفي صحيح البخاري: قال ص: (الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله).

تعداد الشهداء:

لقد كتب السيوطي رسالة سماها (أبواب السعادة في أسباب الشهادة) وأوصل فيها عدد الشهداء إلى ثلاثين نوعا، وقد نظم الأجهوري المالكي عدد الشهداء شعرا في منظومة وشرحها.

ومن أنواع الشهداء:

(الغريق، الحريق، الغريب، المهدوم عليه، المبطون، المطعون، النفساء، الميت ليلة الجمعة، صاحب ذات الجنب، من مات بطلب العلم أو بذات الجنب -قروح في الجنب-، أو بالجمع (المرأة الحامل)، السل، الصرع، الحمى، من مات دون ماله أو دمه، من عشق فعف فكتم فمات، بالشرق، افتراس السبع، حبس السلطان، بالضرب، مات متواريا، أو لدغته هامة، المؤذن المحتسب، التاجر الصدوق، المائد في البحر (يصيبه غثيان أو قيء)، أو ماتت صابرة على الغيرة، من صلى الضحى وصام -ثلاثة أيام كل شهر-ولم يترك الوتر سفرا ولا حضرا ، المتمسك بسنته، من قال في مرضه أربعين مرة (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، أو مات مرابطا ، من قرأ كل ليلة سورة يس، من صرع عن دابة فمات، من طلب الشهادة صادقا ، من مات يوم الجمعة، من جلب طعاما إلى مصر من الأمصار، من اغتسل بالثلوج فمات.

جاء في أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك... (4/762) (ذكر الحافظ في (72) منها أن طريقها جيدة): فكل من كثرت أسباب شهادته زيد له في فتح أبواب سعادته(2)[حاشية ابن عابدين 2/252].

قاتل نفسه خطأ في المعركة:

اختلف الفقهاء في من قتل نفسه خطأ في المعركة.. أيعامل معاملة الشهيد?

فذهب المالكية والشافعية والحنبليه إلى أنه يعامل معاملة الشهيد.

وذهبت الحنفية إلى أنه لا يعامل معاملة الشهيد، والحق مع الجمهور لأن الدليل معهم، فقد روى مسلم والنسائي وأبو داود عن سلمة بن الأكوع قال: (لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا فارتد عليه سيفه فقتله، فقال أصحاب رسول الله ص في ذلك وشكوا فيه: رجل مات في سلاحه.

فقلت يا رسول الله: إن ناسا ليهابون الصلاة عليه (الترحم عليه والدعاء له).

فقال رسول الله ص: (كذبوا، مات جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين وأشار بإصبعه)(1) [النووي على مسلم 12/171].

وإليك نصوص المذاهب الأربعة:

1-الحنفية:

يغسل (ومن قصد العدو فأصاب نفسه يغسل)(2)[حاشية ابن عابدين 2/252].

2-المالكية:

لا يغسل (ولا يغسل شهيد معترك ولو قتل ببلد الإسلام بأن غزى الحربيون المسلمين أو لم يقاتل بأن كان غافلا أو نائما أو قتله مسلم بظنه كافرا، أو داسته الخيل أو رجع عليه سيفه أو سهمه أو تردى في بئر أو سقط من شاهق في حال القتال) (3) [حاشية الدسوقي 1/426].

3-الشافعية:

(الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه: من مات بسبب قتال الكفار حال قيام القتال، سواء قتله كافر أو أصابه سلاح مسلم خطأ أو عاد إليه سلاح نفسه أو سقط عن فرسه أو رمته دابة فمات أو وطئته دواب المسلمين أو أصابه سهم لا يعرف هل رمى به مسلم أو كافر)(4)[المجموع 5/261].

4-الحنابلة:

(فإن كان الشهيد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بيد العدو)(المغني 2/404)، وقال القاضي: يغسل ويصلى عليه لأنه قتل بغير يد المشركين.

من قتله قطاع الطريق أو البغاة:

يرى الحنفية والحنبلية أن المقتول بيد البغاة وقطاع الطريق شهيد يعامل معاملة الشهداء بخلاف الشافعية.

والدليل مع الحنفية: فقد روى الإمام أحمد بسند جيد عن إبراهيم بن عبد الله بن فروخ عن أبيه قال: (شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه في ثيابه ولم يغسل)(5)[الفتح الرباني 7/159].

أما الشافعي: فقد قال: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن عمر غسل وكفن وصلى عليه.

وقال الشافعي في الأم (1/052): إن رؤساء المسلمين غسلوا عمر وصلوا عليه وهو شهيد ولكنه إنما صار إلى الشهادة في غير حرب.

وقال الشافعي في الأم:

من أكله سبع أو قتله أهل البغي أو اللصوص، أو لم يعلم من قتله غسل وصلى عليه.

ورأي الحنفية أرحج لأن عمر قد ارتث فقد مكث بعد طعنه فترة حتى مات.

جاء في حاشية ابن عابدين (2/842): (وكذا يكون شهيدا لو قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق ولو تسببا أو بغير آلة جارحة فإن مقتولهم شهيد بأي آلة قتلوه، وكذا من قتله اللصوص ليلا ).

وذكر في البحر أنه زاد في المحيط سببا رابعا :

وهو من قتل مدافعا ولو عن ذمي فهو شهيد بأي آلة قتل.

وجاء في المبسوط لمحمد بن الحسن: قلت أرأيت رجلا قطع عليه الطريق فقتل دون ماله? قال: يصنع بهم ما يصنع بالشهيد.

أما الشافعية: فلا يعتبرونه شهيدا كما مر، قال الشافعي في الأم (1/603): (من أكله سبع أو قتله بغي أو لصوص أو لم يعلم من قتله غسل وصلي عليه).

وجاء في المجموع 5/163 (إن قتل أهل البغي عادلا أو قتله قطاع الطريق أو قتله اللصوص مقولان فشهوران: (أصحهما يغسل ويصلى عليه.. لأن عمر وعثمان وعلي غسلوا وصلى عليهم بالإتفاق).

قلت: أما عثمان فقد ثبت أنه لم يغسل... وأما عمر فقد غسل لأن موته تأخر بعد الطعن فهو مرتث.

أما الحنبلية: جاء في المغني (6/402): (ومن قتل من أهل العدل في المعركة فحكمه في الغسل والصلاة حكم من قتل في معركة المشركين، لأن عليا رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه، وعمر أوصى أن لا يغسل، وقال: إدفنوني في ثيابي فإني مخاصم).

قال أحمد: قد أوصى أصحاب الجمل أنا مستشهدون غدا فلا تنزعوا عنا ثوبا ولا تغسلوا دما ).

من وجد في المصر مقتولا : يغسل من وجد قتيلا .

ما ينزع عن الشهيد:

اتفق الفقهاء أن آلة الحرب كالسلاح والدرع والبيضة تنزع عن الشهيد عند الدفن.

واختلفوا بالنسبة للخف والقلنسوة والجبة المحشوة.

فقال الحنفية والشافعية: تنزع عنه، وقال المالكية: تدفن معه.

ويبدو أن كلام الحنفية والشافعية أقرب إلى روح الشرع إذ أن ما يدفن يتلف والإتلاف في الشرع ممنوع.

جاء في حاشية ابن عابدين (2/052): (ينزع عنه ما لا يصلح أن يكون كفنا كالفرو والحشو والخف والقلنسوة والسلاح).

وجاء في الأم للشافعي (1/503): (وتنزع عنهم خفاف وفراء ويكفنون في الثياب التي قتلوا فيها إلا فراء أو حشوا ولبدا) ومثله في المجموع (1/262).

جاء في حاشية الدسوقي المالكي (1/624): (ويدفن بالخف والقلنسوة والمنطقة لا بآلة الحرب).

المرتث:

من ارتث -بالمجهول-أي أصبح جرحه رثا أي قديما ، يقال ثوب رث أصبح خلقا قديما .

والمرتث من حمل رثيثا (جريحا ) من المعركة وبه رمق.

واتفق الفقهاء أن الجريح المرتث لا يعامل معاملة الشهيد كما فعل رسول الله ص بسعد بن معاذ، وقد غسله وصلى عليه، وكما فعل الصحابة بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فمن هو المرتث?

يكاد الفقهاء يتفقون أن المرتث: من حمل من أرض المعركة جريحا وفعل فعل الأحياء كالأكل، أو كتابه الوصية، أو مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل، ويقدر على أدائها. أما إذا فعل هذا والمعركة مستمرة وهو في أرض المعركة فإنه ليس مرتثا .

أما منفوذ المقاتل (بأن كان جرحه عميقا قاتلا ولا يرجى برؤه) فإنه يعامل كالشهيد ولو أكل وأوصى.

وكذلك الذي ينقل مغمورا (مغمى عليه) بأن يعامل معاملة الشهيد ولو بقي أياما .

إذا شروط المرتث:

1-أن ينقل من أرض المعركة جريحا .

2-أن يفعل فعل الأحياء كالأكل أو البيع أو كتابة الوصية.

3-أن لا يكون جرحه قاتلا .

4-أن لا يكون مغمورا (مغمي عليه).

وما لم تجتمع هذه الشروط الأربعة فإنه يعامل كالشهيد.

أ-قال ابن عابدين الحنفي في الحاشية (2/252): المرتث من ارتث (بالمجهول) بأن أكل أو شرب أو نام أو تداوى ولو قليلا أو أوى خيمة أو مضى عليه وقت صلاة وهو يعقل ويقدر على أدائها أو نقل من المعركة وهو يعقل سواء وصل حيا أو مات على الأيدي.

وكذا لو قام من مكانه إلى آخر لا لخوف وطء الخيل، أو أوصى بأمور الدنيا، وإن بأمور الآخرة لا يصير مرتثا عند محمد وهو الأصح، لأنه من أحكام الأموات، أو باع أو اشترى أو تكلم بكلام كثير وإلا فلا، وهذا كله إذا كان بعد انقضاء الحرب، ولو فيها -أي في الحرب-لايصير مرتثا بشيء مما ذكر.

ب-قال المالكية في حاشية الدسوقي الشرح (1/624): وإن رفع حيا من أرض المعركة إلا المغمور -الذي لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات-.

منفوذ المقاتل:

قال الدردير في الشرح الكبير:

(المعتمد أن منفوذ المقاتل لا يغسل ولو رفع غير مغمور).

وهذا رأي سحنون وابن عبد البر في الكافي وصاحب المعونة.

ج-قال الشافعية في المجموع للنووي (1/162): من جرح في الحرب ومات قبل انقضائها فهو شهيد سواء مات في الحال أو بقي زمنا وسواء أكل أو شرب أو وصى أو لم يفعل شيئا من ذلك، أما إذا جرح ثم مات بعد الحرب فهو مرتث.

المرأة والطفل الشهيد:

يرى جمهور الفقهاء أن المرأة أو الطفل اللذان يقتلان في المعركة يعاملان معاملة الشهيد بخلاف أبي حنيفة.

قال الشافعي في الأم (1/503): وإن قتل صغيرا أو امرأة في معركة، صنع بهما ما يصنع بالشهداء ولم يغسلا ولم يصل عليهما.

جاء في المجموع (5/662): (الصبي إذا استشهد) مذهب الشافعي لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه قال الجمهور، وحكاه العبدري عن أكثر الفقهاء، منهم مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد، وقال أبو حنيفة: يغسل ويصلى عليه.

انكشاف الحرب عن قتيل مسلم:

اتفق الفقهاء الأربعة أننا إذا وجدنا مسلما مقتولا بعد المعركة وبه أثر يعامل معاملة الشهيد بعدم غسله، أما إذا لم نجد به فذهب الشافعية والمالكية إلى أنه يعامل معاملة الشهيد، وذهب الحنفية والحنبلية إلى أنه لا يعامل معاملة الشهيد.

جاء في المجموع للنووي الشافعي (5/762): إذا انكشفت الحرب عن قتيل مسلم لم يغسل ولم يصل عليه عندنا، سواء كان به أثر أم لا، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن لم يكن به أثر غسل وصلى عليه.

نقل الميت:

الميت إما شهيد وإما غير شهيد.

أما الشهيد: فقد كره الفقهاء الأربعة نقله قبل دفنه.

أما بعد الدفن فان معظمهم قال بحرمة النقل، إلا في حالات الضرورة كما نقل شهداء أحد عندما فاضت العين في زمان معاوية سنة 64ه-.

جاء في المغني (2/983):يستحب دفن الشهيد حيث قتل، قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر أن النبي ص قال (ادفنوا القتلي في مصارعهم).

وقال علي القاري الحنفي: فإن كان يترتب على نقل الميت فائدة فلا كراهة، إلا ما نص عليه من شهداء أحد أو من في معناهم من مطلق الشهداء.

جاء في زاد المعاد (3/412): (إن السنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم ولا ينقلوا إلى مكان آخر، فإن قوما من الصحابة نقلوا قتلاهم إلى المدينة فنادى منادي رسول الله ص بالأمر برد القتلى إلى مصارعهم).

قال جابر: بينما أنا في النطارة إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح، فدخلت بهما المدينة لندفنهما في مقابرنا، وجاء رجل ينادي ألا إن رسول الله ص يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت، فرجعنا فدفناهما في القتلى حيث قتلا.

فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبي سفيان إذا جاءني رجل فقال:

يا جابر والله لقد أثار أباك عماك معاوية فبدا فخرج طائفة منه، قال: فأتيته فوجدته على النحو الذي تركته لم يتغير منه شيء.

قال: فواريته، فصارت سنة في الشهداء أن يدفنوا في مصارعهم(1)[أخرجه أحمد في المسند 3/308، 398 من حديث جابر وسنده صحيح، وأخرجه مختصرا النسائي 4/79 وابن ماجة 1516 وأبوداود 3165 والترمذي 1717 وقال حسن صحيح، وصححه ابن حبان 196].

أما الميت العادي: قبل الدفن: فقد أجاز الفقهاء الثلاثة نقله -المالكية والحنفية والحنبلية -.

جاء في الدر المختار للحصكفي الحنفي: لا بأس بنقله قبل دفنه.

وفي الشرح الكبير للمالكية:

جاز نقل الميت قبل الدفن وكذا بعده، ولم ير أحد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره.

واحتج هذا الفريق بما رواه مالك أن غير واحد ممن يوثق به أن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد توفيا بالعقيق وحملا إلى المدينة ودفنا بها(2)[أنظر أوجز المسالك على موطأ مالك للكاندهلوي 4/252].

أما الشافعية ففي المذهب قولان:

الكراهة.. وقال الدارمي والبغوي وغيرهما يحرم نقل الميت.

قال النووي:

وهذا هو الأصح (قالت عائشة عندما زارت قبر أخيها عبد الرحمن وكان قد مات في الجبش -قريبا من مكة-: لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك مازرتك).. رواه الترمذي، ورجاله رجال الصحيحين(3)[انظر إعلاء السنن 7/277].

أما نقل الميت بعد الدفن:

فمنعه الحنفية والشافعية، وأجاز المالكية والحنبلية.

جاء في فتح القدير للكمال بن الهمام الحنفي:

(في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله فلا يسعها).

وفي الدر المختار للصحكفي الحنفي: (لا بأس بنقله قبل دفنه، وأما نقله بعد دفنه فلا مطلقا ).

وقد ذكرنا أن المالكية والحنابلة أجازوا نقله لمصلحة، جاء في حاشية الدسوقي المالكي (1/124):

(وجاز نقل الميت قبل الدفن، وكذا بعده من مكان إلى آخر، بشرط أن لا ينفجر حال نقله وأن لا تنتهك حرمته وأن يكون لمصلحة، كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين آهله، أو لأجل قرب الزيارة).

وجاء في المغني لابن قدامة الحنبلي: (ويستحب الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون والشهداء لتناله بركتهم، وكذلك في البقاع الشريفة، ثم روى حديث الشيخين عن موسى عليه السلام أنه سأل الله تعالى أن يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر)(4)[انظر إعلاء السنن 8/268].

البناء على القبر

اتفق الفقهاء الأربعة على أن بناء القبر إن كان للزينة والشهرة فيحرم..

وإن كان للإحكام -لمنعه من الإندثار-فيكره.

1-رأي الحنفية:

جاء في الطحطاوي على قول صاحب الدر المختار (1/016)، وفي الشرنبلالية عن البرهان:

(يحرم البناء عليه للزينة، ويكره للإحكام بعد الدفن).

وفي كتاب الآثار صفحة (24): (ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجدا أو علما أو يكتب عليه إلى أن قال..

وهو قول أبي حنيفة).

وفي المبسوط لمحمد بن الحسن (1/224): (قلت: أرأيت القبر هل تكره أن يجصص? قال: نعم، لما روى أن النبي ص نهى عن تجصيص القبور وتربيعها، لأن التجصيص في الأبنية إما للزينة أو لإحكام البناء)(5)[انتهى ما قاله السرخسي في المبسوط 2/62].

2-المالكية:

جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/524): (وكره تطيين قبر أو تبييضه وبناء عليه كقبة أو بيت أو مدرسة إن كان ذلك بأرض مملوكة له، أو لغيره، بإذن أو موات لغير مباهاة ومن غير أن تصير مأوى للفساق، وإن بوهي به أو كان مأوى للفساق أو في المقبرة أو في ملك غيره حرم.

ووضع حجر أو خشبة لتمييز القبر جائز من غير نقش لاسمه أو تاريخ موته وإلا كره وإن بوهي به حرم.

وظاهره أن النقش مكروه ولو قرآنا، وينبغي الحرمة لأنه يؤدي إلى امتهانه.

3-الشافعية:

جاء في المجموع للنووي (5/613): (واتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح، أو غيره لعموم الأحاديث: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (1)[متفق عليه].

4-الحنابلة:

جاء في المغني (2/783): (ويكره البناء على القبر وتجصيصه والكتابة عليه، لما روى مسلم في صحيحه قال: نهى رسول الله ص أن يجصص القبر وأن يبنى عليه وأن يقعد عليه. -زاد الترمذي-.. وأن يكتب عليه. وقال حسن صحيح)(2) [أنظر نيل الأوطار 4/387].

هدم القبور:

ينبغي على ولاة الأمور أن يهدموا القبور المرتفعة، وأن يمنعوا نصب الرايات عليها أو الكتابة.

فقد روى الجماعة إلا البخاري عن أبي الهياج الأزدي عن علي (قال: أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ص، لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته)(3)[نيل الأوطار 4/120].

قال الشافعي في الأم (1/163): (وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها من القبور فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك).

خلاصة القول:

يحرم البناء على القبر أو بناء مسجد عليه أو كتابة الإسم عليه إن كان ذلك للشهرة عند المذاهب الأربعة، وكذلك رفع الأعلام والرايات على القبور يحرم إن كان للشهرة.. خاصة قبور الشهداء حفظا لثوابهم وتطبيقا للسنة في قبورهم.

Hiç yorum yok: